فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 4102

ج / 1 ص -56- صِفَةِ الْوُضُوءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ إذَا أُورِدَ عَلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ غَسْلِهِ لَمْ يَنْجَسْ الْمَاءُ بَلْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ، وَهَذَا الْقَائِلُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ، وَسَنُوَضِّحُهُ مَعَ الْقَاعِدَةِ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِذَا أَرَادَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَحَكَمَ بِطَهَارَتِهِ نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ دُونَ قُلَّتَيْنِ وَحُكِمَ بِطَهَارَتِهِ بِالْمُكَاثَرَةِ، لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا، فَهُوَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لِلْمَاءِ الَّذِي غَمَرَهُ، وَهُوَ مَاءٌ أُزِيلَ بِهِ النَّجَاسَةُ، فَلَمْ يَصْلُحْ لِلطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلنَّجَاسَةِ الْقَائِمَةِ فَكَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ قُلَّتَانِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى اسْتِعْمَالِ مَاءٍ فِيهِ نَجَاسَةٌ قَائِمَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ قَائِمَةٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَاحِدٌ. فَإِذَا كَانَ مَا يَبْقَى بَعْدَ مَا غُرِفَ نَجِسًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي غَرَفَهُ نَجِسًا، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَا يُغْرَفُ مِنْهُ يَنْفصل: مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِنَجَاسَتِهِ، فَبَقِيَ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ دَائِبَةً جَازَتْ الطَّهَارَةُ بِهِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَتَطَهَّرُ بِالْجَمِيعِ، بَلْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ النَّجَاسَةِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً فَاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ كَثِيرٍ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْجَمِيعَ إلَّا تَمْرَةً، وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَتَمَيَّزُ، بَلْ تَخْتَلِطُ بِالْجَمِيعِ فَلَوْ وَجَبَ تَرْكُ بَعْضِهِ لَوَجَبَ تَرْكُ جَمِيعِهِ بِخِلَافِ التَّمْرِ".

الشرح: أَمَّا الْمسألة:الْأُولَى، وَهِيَ إذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ الْمَاءِ النَّجِسِ بِالْمُكَاثَرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ فَقَدْ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ، وَهَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ، فَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الْأَنْمَاطِيِّ: إنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي النَّجَسِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ هُنَا، فَإِنَّهَا هِيَ الْمسألة:بِعَيْنِهَا، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا صَاحِبُ"الحاوي"وَآخَرُونَ، وَصَرَّحُوا بِهِ .

وَأَمَّا الْمسألة:الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، فَقَدْ ذَكَرَ وَجْهَيْنِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ، بَلْ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ. وَالثَّانِي: يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْ النَّجَاسَةِ بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَشْهُورٌ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ، لَكِنْ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ حَكَوْهُ وَجْهَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ، وَحَكَاهُ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَوْلَيْنِ، الْجَدِيدُ: يَجِبُ التَّبَاعُدُ، وَالْقَدِيمُ: لَا يَجِبُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِنَا، قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَهَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفْتَى فِيهَا عَلَى الْقَدِيمِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ بَيَانَهَا وَحُكْمَهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَبِالْجِيمِ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِنْ كُتُبِهِ عَلَى مُوَافَقَةِ الْقَدِيمِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَسْلَمُ كَوْنُ الْإِفْتَاءِ هُنَا بِالْقَدِيمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت