فهرس الكتاب
ج / 1 ص -55- الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا بِالتَّغَيُّرِ فَكَاثَرَهُ فَزَالَ التَّغَيُّرُ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
ثُمَّ صُورَةُ الْمسألة:الَّتِي نَحْنُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ وَارِدًا عَلَى الْمَاءِ النَّجِسِ، وَأَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا وَأَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ النَّجِسِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ وَنُبِّهَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْفصل: الَّذِي بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ؛ ( لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لِلْمَاءِ الَّذِي غَمَرَهُ وَذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ ثُمَّ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ، وَبِهِ أَجَابَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْوَارِدِ سَبْعَةَ أَضْعَافِ النَّجِسِ، وَهَذَا شَاذٌّ وَغَلَطٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ، وَيُظَنَّ غَفْلَتُنَا عَنْهُ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ وَجْهٍ لَنَا شَاذٍّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ النَّجَاسَةُ سَبْعَةَ أَمْثَالِهَا، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَنُوَضِّحُ ضَعْفَهُ وَبُطْلَانَهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ: فَإِنْ قِيلَ: حَيْثُ حَكَمْتُمْ بِطَهَارَةِ هَذَا الْمَاءِ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولُوا إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَاثَرَهُ بِهِ أَنْ يَطْهُرَ الْمَاءُ وَالْإِنَاءُ، يَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ: قُلْنَا: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَطْهُرُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا: أَنَّهُ إذَا كُوثِرَ الْمَاءُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ طَهُرَ بِلَا خِلَافٍ. وَذَكَرْنَا أَنَّهُ سَوَاءٌ كُوثِرَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ، وَلَوْ كُوثِرَ الْمَاءُ النَّجِسُ بِبَوْلٍ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ أَوْ عَرَقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَاءٍ فَبَلَغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ، وَطَرِيقُهُ فِي طَهَارَتِهِ بَعْدَ هَذَا: أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ، حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ طَاهِرًا كَانَ الْمُضَافُ أَوْ نَجِسًا، وَلَوْ كُوثِرَ النَّجِسُ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ. أَحَدُهُمَا: يَكُونُ الْجَمِيعُ نَجِسًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ كَالْمَائِعِ فَصَارَ كَالْعَرَقِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَصِيرُ الْجَمِيعُ مُطَهِّرًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا"، وَهَذَا كُلُّهُ مَاءٌ وَقَدْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ، وَبَنَى الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي الْوَجْهَيْنِ: عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ هَلْ يَعُودُ طَهُورًا ؟ إنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَهَذَا طَهُورٌ، وَإِلَّا فَنَجِسٌ، وَلَوْ كُوثِرَ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ الَّذِي كَانَ بِالزَّعْفَرَانِ فَهُوَ طَهُورٌ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ نَجَاسَةٌ لَمْ تُنَجِّسْهُ، قَالَ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ: وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ قُلَّتَانِ إلَّا كُوزًا فَصَبَّ عَلَيْهِ كُوزَ مَاءٍ مُتَغَيِّرٍ بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَنْجَسْ، فَهَذَا تَحْقِيقُ مَذْهَبِنَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَأَمَّا مَا يَخْتَرِعُهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةَ وَيَقُولُ: إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ إلَّا كُوزًا فَكَمَّلَهُ بِبَوْلٍ طَهُرَ، فَبُهْتَانٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ شَيْخُ الْأَصْحَابِ: إذَا كَمَّلَهُ بِبَوْلٍ أَوْ نَجَاسَةٍ أُخْرَى، فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الشَّافِعِيِّينَ. وَقَالَ: وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يَحْكُونَ عَنَّا مَا لَيْسَ مَذْهَبًا لَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ، وَهُنَا وَرَدَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَنْجَسْ، فَفِيهِ بَيَانُ قَاعِدَةٍ لَنَا مَعْرُوفَةٍ، وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَخَذَهَا أَصْحَابُنَا مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ الْقَاعِدَةِ، وَسَنُعِيدُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ