فهرس الكتاب
ج / 1 ص -54- َإِنْ قِيلَ: إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ بِالتُّرَابِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لِكَوْنِهِ مُتَغَيِّرًا بِتُرَابٍ مُتَنَجِّسٍ، قُلْنَا: هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ التُّرَابِ نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ لِلْمَاءِ النَّجِسِ، فَإِذَا زَالَتْ نَجَاسَةُ الْمَاءِ طَهُرَ التُّرَابُ وَالْمَاءُ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ طَاهِرَةٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ طَهُرَ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ، إلَّا بِأَخْذِ بَعْضِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ قُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ"
الشرح: هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: طَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: رحمه الله تعالى:"وَإِنْ كَانَتْ نَجَاسَتُهُ بِالْقِلَّةِ بِأَنْ يَكُونَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ طَهُرَ، بِأَنْ يَنْضَافَ إلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ حَتَّى يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ، وَيَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ كَالْأَرْضِ النَّجِسَةِ إذَا طُرِحَ عَلَيْهَا مَاءٌ حَتَّى غَمَرَ النَّجَاسَةَ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ، وَهَا هُنَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ فَلَمْ يَنْجَسْ، إذْ لَوْ نَجِسَ لَمْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ ( النَّجِسُ إذَا صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ"
الشرح: أَمَّا الْمسألة:الْأُولَى، وَهِيَ إذَا كَاثَرَهُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَيَصِيرُ طَاهِرًا مُطَهِّرًا بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا، قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا"فَلَوْ فَرَّقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ التَّفْرِيقُ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُ قُلَّتَانِ مُتَفَرِّقَتَانِ نَجِسَتَانِ فَجَمَعَهُمَا، وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِمَا، صَارَتَا طَاهِرَتَيْنِ، فَإِنْ فُرِّقَتَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُمَا عَلَى طَهُورِيَّتِهِمَا، كَمَا لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ فِي قُلَّتَيْنِ وَلَمْ تُغَيِّرْهُمَا، ثُمَّ فُرِّقَتَا فَإِنَّهُمَا عَلَى الطَّهُورِيَّةِ بِلَا خِلَافٍ، هَذَا مَذْهَبُنَا.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ: إذَا جَمَعَ الْقُلَّتَيْنِ النَّجِسَتَيْنِ لَمْ تَطْهُرَا؛ لِأَنَّ النَّجِسَتَيْنِ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا طَاهِرٌ، كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ، وَدَلِيلُنَا: حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ، وَيُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةً وَغَايَةً إذَا وَصَلَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ نَجَاسَةٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرُوهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمسألة:الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا كُوثِرَ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهَلْ يَطْهُرُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ دَلِيلَهُمَا، وَهِمَا مَشْهُورَانِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ يَطْهُرُ، وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمْ شَيْخُهُمْ أَبُو حَامِدٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ: لَا يَطْهُرُ، وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ صَحَّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ قَوْلُهُ الطَّهَارَةُ، فَهُوَ مِنْ هَفَوَاتِهِ، إذْ لَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ، قَالَ: فَلَا يَتَمَارَى فِي فَسَادِهِ وَكَذَا صَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفصل: بَعْدَهُ، وَسَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ عَصْرِ الثَّوْبِ النَّجِسِ إذَا غُسِلَ، قَالُوا: وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْمَاءَ الْوَارِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ مُزِيلٌ لَهَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ مَاءٍ نَجَسٌ، وَالْوَجْهَانِ فِي الْعَصْرِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْغُسَالَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغَسْلِ طَاهِرَةٌ أَمْ لَا ؟. وَفِيهِ