فهرس الكتاب
ج / 1 ص -67- اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ:"لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ"قَالُوا: وَالْمُرَادُ نَهْيُهُ لِئَلَّا يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُخْتَارَ وَالصَّوَابَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِي الدَّائِمِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لِئَلَّا يَقْذُرَهُ وَقَدْ يُؤَدِّي تَكْرَارُ ذَلِكَ إلَى تَغَيُّرِهِ.
وَاحْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُسْتَعْمَلِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَلَكِنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ، وَأَقْرَبُ شَيْءٍ يُحْتَجُّ بِهِ مَا احْتَجُّوا بِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ عُمْدَةُ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ رضي الله عنهم احْتَاجُوا فِي مَوَاطِنَ مِنْ أَسْفَارِهِمْ الْكَثِيرَةِ إلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ لِاسْتِعْمَالِهِ مَرَّةً أُخْرَى. فَإِنْ قِيلَ: تَرَكُوا الْجَمْعَ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَمَّعُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَا يَسْلَمُ، وَإِنْ سَلِمَ فِي الْوُضُوءِ لَمْ يَسْلَمْ فِي الْغُسْلِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَمْعِهِ مَنْعُ الطَّهَارَةِ بِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَجْمَعُوهُ لِلشُّرْبِ وَالطَّبْخِ وَالْعَجْنِ وَالتَّبَرُّدِ وَنَحْوِهَا مَعَ جَوَازِهَا بِهِ بِالِاتِّفَاقِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ تَرْكَ جَمْعِهِ لِلشُّرْبِ وَنَحْوِهِ لِلِاسْتِقْذَارِ فَإِنَّ النُّفُوسَ تَعَافُهُ فِي الْعَادَةِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا كَمَا"اسْتَقْذَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الضَّبَّ وَتَرَكَهُ فَقِيلَ أَحَرَامٌ هُوَ ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَعَافُهُ"وَأَمَّا الطَّهَارَةُ بِهِ ثَانِيَةً فَلَيْسَ فِيهَا اسْتِقْذَارٌ، فَتَرْكُهُ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ.
وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ هَلْ يَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي ؟ أَمْ يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُهُ ؟ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَجْمَعُهُ ثُمَّ يَسْتَعْمِلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، وَلَوْ كَانَ مُطَهِّرًا لَقَالُوهُ. فَإِنَّ قِيلَ: لِأَنَّهُ لَا يَتَجَمَّعُ مِنْهُ شَيْءٌ فَالْجَوَابُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ الْحَالُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ قَرِيبًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فَعُولًا لَا يَقْتَضِي التَّكَرُّرُ مُطْلَقًا بَلْ مِنْهُ مَا هُوَ كَذَلِكَ وَمِنْهُ غَيْرُهُ وَهَذَا مَشْهُورٌ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالثَّانِي: الْمُرَادُ بِطَهُورِ: الْمُطَهِّرُ وَالصَّالِحُ لِلتَّطْهِيرِ وَالْمُعَدُّ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ:"تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ"فَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ هَكَذَا أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَإِسْنَادُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ1 بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ رضي الله عنها، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ2 رضي الله عنه أَنَّهُ"رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ فَذَكَرَ صِفَةَ الْوُضُوءِ إلَى أَنْ قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلٍ يَدَيْهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ"وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَاتِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ مِنْ أَوْجُهٍ أحدها: أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَإِنَّ رَاوِيَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَإِذَا كَانَ ضَعِيفًا لَمْ يُحْتَجَّ بِرِوَايَتِهِ وَلَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ. وَلِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي أبو محمد المدني عن أبيه وخاله محمد بن الحنفية وعنه السفيانان وابن عجلان ضعفه النسائي ولينه أبو حاتم وقال الترمذي: صدوق وقال سمعت محمدا يقول كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديثه قال الواقدي: مات بعد (240) (ط)
2 راجع ص (118) (ط) .