فهرس الكتاب
ج / 1 ص -69- فرع:الْأَنْمَاطِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بَشَّارٍ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَانَ إمَامًا عَظِيمًا جَلِيلَ الْمَرْتَبَةِ. أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَكَانَ هُوَ السَّبَبَ فِي نَشْرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بِبَغْدَادَ وَكَتَبَ كُتُبَهُ وَعَلَيْهِ تَفَقَّهَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَهُوَ أَحَدُ أَجْدَادِنَا فِي سَلْسَلَةِ التَّفَقُّهِ، تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ رحمه الله.
وَأَمَّا ابْنُ خَيْرَانَ فَهُوَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ الزَّاهِدُ الْوَرِعُ طَلَبُوهُ لِلْقَضَاءِ فَامْتَنَعَ فَحَبَسُوهُ مُدَّةً وَصَبَرَ عَلَى امْتِنَاعِهِ ثُمَّ أَطْلَقُوهُ وَعَتَبَ عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ لِكَوْنِهِ تَوَلَّى الْقَضَاءَ وَقَالَ: هَذَا الْأَمْرُ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا كَانَ بَلِيَّةً فِي أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ سَنَةَ عِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ. وَرُبَّمَا اشْتَبَهَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ هَذَا بِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ خَيْرَانَ الْبَغْدَادِيِّ صَاحِبِ الْكِتَابِ الْمُسَمَّى بِاللَّطِيفِ وَهُوَ كِتَابٌ حَسَنٌ رَأَيْتُهُ فِي مُجَلَّدَتَيْنِ لَطِيفَتَيْنِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ جَمَعَ الْمُسْتَعْمَلَ حَتَّى صَارَ قُلَّتَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: أَنَّهُ يَزُولُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا يَزُولُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ فِيهِ أَوْ اغْتَسَلَ وَهُوَ قُلَّتَانِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ، فَإِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ، وَالثَّانِي1: لَا يَزُولُ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا، وَهَذَا لَا يَزُولُ بِالْكَثْرَةِ"
الشرح: الْكَثْرَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَتَعْلِيلُهُمَا مَذْكُورٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ زَوَالُ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ مِنْهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ، وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ التَّحْرِيرِ وَالْبُلْغَةِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي"الأم"وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَخَالَفَهُمْ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ الْإِبَانَةِ فَحَكَيَا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَزُولُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ، وَالشَّيْخَانِ أَعْرَفُ مِنْ صَاحِبِ الْإِبَانَةِ وَأَتْقَنُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِابْنِ سُرَيْجٍ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ الْقَاصِّ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ سُرَيْجٍ يَقُولُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَضُرَّهُ الِاسْتِعْمَالُ، وَهَذَا ظَاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا جُمِعَ الْمُسْتَعْمَلُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ، ثُمَّ رَأَيْتُ لِابْنِ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى كِتَابُ الْأَقْسَامِ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ، وَكَيْفَ كَانَ فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ ضَعِيفٌ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ: هُوَ غَلَطٌ وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِلصَّحِيحِ بِالْعِلَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، قَالُوا: وَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ أَغْلَظُ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ النَّجِسِ مَا فَرَّقَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا قَالُوا: النَّجَاسَةُ صَارَتْ مُسْتَهْلَكَهُ فَسَقَطَ أَثَرُهَا عِنْدَ ظُهُورِ قُوَّةِ الْمَاءِ بِالْكَثْرَةِ، وَصِفَةُ الِاسْتِعْمَالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في نسخة الركبي ( ومن أصحابنا من قال ) بدل (والثاني ) (ط)