فهرس الكتاب
ج / 1 ص -74- الْمَاءَ الَّذِي فِي يَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ، قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةِ غَسْلَ الْيَدِ وَإِنَّمَا يَجْعَلُهَا آلَةً فَتَصِيرُ كَقَصْدِ الِاغْتِرَافِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ غَسْلُ الْيَدِ بَعْدَ هَذَا قَالَ: وَالْمُحْدِثُ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ كَالْجُنُبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنَةُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَإِذَا نَزَلَ جُنُبٌ فِي مَاءٍ وَاغْتَسَلَ فِيهِ نُظِرَ. إنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ. ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ وَلَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ: وَلِأَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ فِيهِ أَوْ اغْتَسَلَ وَهُوَ قُلَّتَانِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ وَكَذَا لَوْ اغْتَسَلَ فِي قُلَّتَيْنِ جَمَاعَاتٌ مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُمْ وَلَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَاتِ إذَا اغْتَسَلُوا فِي الْقُلَّتَيْنِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا لِأَنَّ فِي كِتَابِ الِانْتِصَارِ لِأَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ جَمَاعَةٌ فِي مَاءٍ لَوْ فُرِّقَ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِمْ اسْتَوْعَبُوهُ أَوْ ظَهَرَ تَغَيُّرُهُ لَوْ خَالَفَهُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ شَاذٌّ مُنْكَرٌ مَرْدُودٌ لَا يُعْرَفُ وَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ. وَنَحْوُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ: ذَكَرَ صَاحِبُ الشَّامِلِ أَنَّهُ لَوْ انْغَمَسَ فِي قُلَّتَيْنِ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ بِنِيَّةِ غَسْلِ الْجَنَابَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ وَلَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا. وَالثَّانِي: تَرْتَفِعُ وَيَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا. وَهَذَا النَّقْلُ غَلَطٌ مِنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ، وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الشَّامِلِ هَذَا الَّذِي زَعَمَهُ، بَلْ ذَكَرَ مسألة:الْمُسْتَعْمَلِ إذَا جُمِعَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ هَلْ يَعُودُ طَهُورًا ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ لَكِنَّ فِي عِبَارَتِهِ بَعْضَ الْخَفَاءِ فَأَوْقَعَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ الْوَهْمَ الْبَاطِلَ وَلَيْسَ فِي عِبَارَتِهِ لَبْسٌ وَإِشْكَالٌ كَبِيرٌ بِحَيْثُ يَلْتَبِسُ هَذَا الِالْتِبَاسُ. فَحَصَلَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمسألة:خِلَافٌ مَا دَامَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ.
أَمَّا إذَا نَزَلَ فِي دُونِ قُلَّتَيْنِ فَيُنْظَرُ. إنْ نَزَلَ بِلَا نِيَّةٍ فَلَمَّا صَارَ تَحْتَ الْمَاءِ نَوَى الْغُسْلَ. ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ فِي الْحَالِ وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ حَتَّى يَنْفصل: مِنْهُ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ ارْتَفَعَتْ وَإِنَّمَا قَالُوا لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا مَا دَامَ الْمَاءُ عَلَى الْعُضْوِ لِلْحَاجَةِ إلَى رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ بَاقِيهِ، وَلَا حَاجَةَ هُنَا فَإِنَّ الْجَنَابَةَ ارْتَفَعَتْ بِلَا خِلَافٍ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ هَذَا الْمُغْتَسِلِ فَيَصِيرُ فِي الْحَالِ مُسْتَعْمَلًا عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَمِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ حَتَّى يَنْفصل: كَمَا فِي حَقِّ الْمُغْتَسِلِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَوْ كَانَ الْمُنْغَمِسُ فِيهِ مُتَوَضِّئًا فَهُوَ كَالْجُنُبِ وَأَمَّا إذَا نَزَلَ الْجُنُبُ نَاوِيًا فَقَدْ صَارَ الْمَاءُ بِنَفْسِ الْمُلَاقَاةِ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِ وَجْهُ الْبَغَوِيِّ وَارْتَفَعَتْ الْجَنَابَةُ عَنْ الْقَدْرِ الْمُلَاقِي لِلْمَاءِ مِنْ بَدَنِهِ أَوَّلَ نُزُولِهِ، وَكَذَا لَوْ نَزَلَ إلَى وَسَطِهِ مَثَلًا بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى ارْتَفَعَتْ جَنَابَةُ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ بَدَنِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَهَلْ تَرْتَفِعُ جَنَابَةُ الْبَاقِي مِنْ بَدَنِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ إذَا تَمَّمَ