فهرس الكتاب
ج / 6 ص -52- مُعْظَمِهِ، وَهَذَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ، وَتَرْتِيبُهُمْ فِي النَّفَقَةِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ فَضَلَ عَنْ مُؤْنَتِهِ صَاعٌ وَاحِدٌ، وَلَهُ عَبْدٌ، أَخْرَجَ الصَّاعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيعَ فِي فِطْرَةِ الْعَبْدِ جُزْءًا مِنْهُ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ، أَحَدُهَا: يَلْزَمُهُ والثاني: لَا وَأَصَحُّهَا: إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى خِدْمَتِهِ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الْمُعْتَمَدُ، وَصَحَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اللُّزُومَ مُطْلَقًا، وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ. وَالْمَذْهَبُ: مَا سَبَقَ تَصْحِيحُهُ. وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلنَّصِّ السَّابِقِ فِي فِطْرَةِ عَبْدِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ إذَا احْتَاجَ إلَى خِدْمَتِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَمَنْ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤَدِّي ابْتِدَاءً؟ أَوْ يَجِبُ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُ الْمُؤَدِّي؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: تَجِبُ عَلَى الْمُؤَدِّي ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي مَالِهِ والثاني: تَجِبُ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ لِتَطْهِيرِهِ، فَإِنْ تَطَّوَّعَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ وَأَخْرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُؤَدِّي فَفِيهِ وَجْهَانِ، إنْ قُلْنَا: إنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُؤَدِّي ابْتِدَاءً، لَمْ تُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وإن قلنا: يَتَحَمَّلُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يُمَوِّنُهُ مُسْلِمًا وَهُوَ كَافِرٌ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ إنْ قُلْنَا: إنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، لَمْ تَجِبْ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ زَكَاةٍ عَلَى كَافِرٍ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَتَحَمَّلُ، وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ وَجَبَتْ عَلَى مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَحَمِّلٌ".
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: الْفِطْرَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَى الشَّخْصِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ فِيهَا خِلَافٌ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ: هُوَ وَجْهَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"المجرد"وَالْبَغَوِيُّ وَالسَّرْخَسِيُّ وَآخَرُونَ: هُوَ قَوْلَانِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ: هُوَ قَوْلَانِ مُسْتَنْبَطَانِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي فِطْرَةِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ إذَا كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا. أحدهما: تَجِبُ عَلَى الْمُؤَدِّي ابْتِدَاءً وَلَا يُلَاقِي الْوُجُوبُ الْمُؤَدَّى عَنْهُ وَأَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الْأَصْحَابِ: تَجِبُ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا الْمُؤَدِّي، قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي"الْأَمَالِي": هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ لَلشَّافِعِيِّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ طُهْرَةً لَهُ، ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ وَالْجُمْهُورَ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ وَطَرَدُوهُ فِي كُلِّ مُؤَدٍّ عَنْ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ وَقَرِيبٍ،
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَقَالَ طَوَائِفُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ: هَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي فِطْرَةِ الزَّوْجَةِ فَقَطْ، فَأَمَّا: فِطْرَةُ الْمَمْلُوكِ وَالْقَرِيبِ فَتَجِبُ عَلَى الْمُؤَدِّي ابْتِدَاءً بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِيجَابِ، وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، وَقَالَ: طَرْدُ الْخِلَافِ فِي الْجَمِيعِ بَعِيدٌ وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: طَرْدُهُ فِي جَمِيعِهِمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَحَيْثُ قُلْنَا بِالتَّحَمُّلِ فَهَلْ هُوَ كَالضَّمَانِ أَمْ كَالْحَوَالَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ فِي"الْمَسَائِلِ الْجُرْجَانِيَّاتِ"وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ غَرِيبٌ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ: أَنَّهُ كَالْحَوَالَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَازِمٌ لِلْمُؤَدِّي لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ، وَلَا مُطَالَبَةَ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِالضَّمَانِ - وَبِهِ جَزَمَ السَّرَخْسِيُّ: أَنَّهُ لَوْ أَدَّاهَا الْمُتَحَمِّلُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُؤَدِّي أَجْزَأَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَسَقَطَتْ عَلَى الْمُؤَدِّي. وَلَوْلَا أَنَّهُ كَالْمَضْمُونِ عَنْهُ لَمَا أَجْزَأَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.