فهرس الكتاب
ج / 6 ص -73- وَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً مَعْلُوفَةً فَعَجَّلَ شَاةً وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى إسَامَتِهَا حَوْلًا ثُمَّ أَسَامَهَا لَمْ يَقَعْ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْلُوفَ لَيْسَتْ مَالَ زَكَاةٍ، فَهُوَ كَمَا دُونَ النِّصَابِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ التَّعْجِيلُ بَعْدَ انْعِقَادِ الْحَوْلِ، وَلَا حَوْلَ لِلْمَعْلُوفَةِ بِخِلَافِ عَرَضِ التِّجَارَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا وَلَوْ عَجَّلَ صَدَقَةَ عَامَيْنِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْحَوْلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ عَامَيْنِ فَوَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا وَهُمَا مَشْهُورَانِ: أحدهما: يَجُوزُ؛ لِلْحَدِيثِ. والثاني: لَا يَجُوزُ، وَأَجَابَ الْبَغَوِيّ وَالْأَصْحَابُ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَسَلُّفُ دَفْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ دَفْعَةٍ صَدَقَةُ عَامٍ أَوْ سَنَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَصَحِّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَصَحَّحَتْ طَائِفَةٌ الْجَوَازَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَالْعَبْدَرِيُّ، وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ الْمَنْعَ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: صَحَّحَ الْأَكْثَرُونَ الْمَنْعَ، فَإِذَا قُلْنَا: بِالْجَوَازِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَامَيْنِ وَأَكْثَرَ حَتَّى لَوْ عَجَّلَ عَشْرَةَ أَعْوَامٍ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الْمُعَجَّلِ نِصَابٌ، فَلَوْ كَانَ لَهُ خَمْسُونَ شَاةً فَعَجَّلَ عَشْرًا مِنْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ جَازَ، فَلَوْ نَقَصَ الْمَالُ بِالتَّعْجِيلِ عَنْ النِّصَابِ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي، لَمْ يَجُزْ التَّعْجِيلُ لِغَيْرِ الْعَامِ الْأَوَّلِ وَجْهًا وَاحِدًا، هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ الثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ عَلَى نِصَابٍ، وَحَكَى الْبَغَوِيّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ كَالْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ، وَإِذَا جَوَّزْنَا صَدَقَةَ عَامَيْنِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ تَقْدِيمَ زَكَاةِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ كَتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى إذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ مَلَكَ مِائَتَيْ شَاةٍ فَعَجَّلَ عَنْهَا وَعَمَّا يَتَوَالَدُ مِنْ سِخَالِهَا أَرْبَعَ شِيَاهٍ، فَتَوَالَدَتْ وَصَارَتْ أَرْبَعَمِائَةٍ أَجْزَأَهُ زَكَاةُ الْمِائَتَيْنِ وَفِي زَكَاةِ السِّخَالِ وَجْهَانِ: أحدهما: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمُ زَكَاةٍ عَلَى النِّصَابِ. والثاني: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ السِّخَالَ جُعِلَتْ كَالْمَوْجُودَةِ فِي الْحَوْلِ فِي وُجُوبِ زَكَاتِهَا فَجُعِلَتْ كَالْمَوْجُودَةِ فِي تَعْجِيلِ زَكَاتِهَا، وَإِنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فَعَجَّلَ عَنْهَا شَاةً، ثُمَّ تَوَالَدَتْ أَرْبَعِينَ سَخْلَةً وَمَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ وَبَقِيَتْ السِّخَالُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ مَا أَخْرَجَ عَنْ الْأُمَّهَاتِ مِنْ زَكَاةِ السِّخَالِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ الزَّكَاةَ عَنْ غَيْرِ السِّخَالِ، فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ زَكَاةِ السِّخَالِ. والثاني: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ حَوْلَ السِّخَالِ كَانَتْ زَكَاةُ الْأُمَّهَاتِ زَكَاةَ السِّخَالِ، وَإِنْ اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ فَأَخْرَجَ مِنْهَا زَكَاةَ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ - وَالْعَرَضُ يُسَاوِي أَرْبَعَمِائَةٍ - أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ بِآخِرِ الْحَوْلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ سِلْعَةً تُسَاوِي مِائَةً فَحَالَ الْحَوْلُ - وَهِيَ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ - وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِنْ مَلَكَ مِائَةً وَعِشْرِينَ شَاةً، فَعَجَّلَ عَنْهَا شَاةً ثُمَّ نَتَجَتْ شَاةٌ سَخْلَةً قَبْلَ الْحَوْلِ، لَزِمَتْهُ شَاةٌ أُخْرَى. وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ مِائَتَيْ شَاةٍ فَأَخْرَجَ شَاتَيْنِ، ثُمَّ نَتَجَتْ شَاةٌ سَخْلَةً أُخْرَى قَبْلَ الْحَوْلِ، لَزِمَتْهُ شَاةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ كَالْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْ الْحَوْلِ، فَجَعَلَ كَالْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ فِي إيجَابِ الْفَرْضِ".
الشرح: قَوْلُهُ: الْأُمَّهَاتُ، هَذِهِ إحْدَى اللُّغَتَيْنِ فِيهَا، وَالْأَصَحُّ وَالْأَشْهَرُ الْأُمَّاتُ بِحَذْفِ الْهَاءِ، وَفِي الْآدَمِيَّاتِ الْأُمَّهَاتِ بِالْهَاءِ أَفْصَحُ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَقَوْلُهُ: مَلَكَ سِلْعَةً تُسَاوِي مِائَةً أَيْ مَلَكَهَا لِلتِّجَارَةِ وَقَوْلُهُ: (نُتِجَتْ) ، هُوَ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ التَّاءِ أَيْ وَلَدَتْ، وَقَوْلُهُ: (سَخْلَةً) مَنْصُوبٌ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَنُتِجَتْ.