فهرس الكتاب
ج / 6 ص -75- الْحَوْلِ، خَرَجَ الْمَدْفُوعُ عَنْ أَنْ يَكُونَ زَكَاةً، وَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا دَفَعَ؟ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ زَكَاةٌ وَاجِبَةٌ أَوْ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ وَقَدْ لَزِمَتْ بِالْقَبْضِ فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ، وَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ، لِأَنَّهُ دَفَعَ عَمَّا يَسْتَقِرُّ فِي الثَّانِي، فَإِذَا طَرَأَ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِقْرَارَ ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ أُجْرَةَ الدَّارِ ثُمَّ انْهَدَمَتْ الدَّارُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي عَجَّلَ هُوَ السُّلْطَانُ أَوْ الْمُصَدِّقُ مِنْ قِبَلِهِ ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ بَيَّنَ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَسْتَرْجِعُهُ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَلْحَقْهُ تُهْمَةٌ، وَإِنْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ عَنْ نِصَابٍ ثُمَّ ذَبَحَ شَاةً أَوْ أَتْلَفَهَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ ; لِأَنَّهُ زَالَ شَرْطُ الْوُجُوبِ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ كَمَا لَوْ هَلَكَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ .وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ مُفْرِطٌ، وَرُبَّمَا أَتْلَفَ لِيَسْتَرْجِعَ مَا دَفَعَ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ . وَإِذَا رَجَعَ فِيمَا دَفَعَ وَقَدْ نَقَصَ فِي يَدِ الْفَقِيرِ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُ مَا نَقَصَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ فِي مِلْكِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَ عَيْنُهُ إذَا هَلَكَ ضُمِنَ نُقْصَانُهُ إذَا نَقَصَ كَالْمَغْصُوبِ، وَإِنْ زَادَ الْمَدْفُوعُ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةً لَا تَتَمَيَّزُ كَالسِّمَنِ - رَجَعَ فِيهِ مَعَ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ السِّمَنَ يَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الرَّدِّ كَمَا نَقُولُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَإِنْ زَادَ زِيَادَةً تَتَمَيَّزُ كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ، لَمْ يَجِبْ رَدُّ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ يَجِبْ رَدُّهَا مَعَ الْأَصْلِ كَوَلَدِ الْمَبِيعَةِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ هَلَكَ الْمَدْفُوعُ فِي يَدِ الْفَقِيرِ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ . وَفِي الْقِيمَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ كَالْعَارِيَّةِ . وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الدَّفْعِ؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا"."
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا عَجَّلَ زَكَاتَهُ ثُمَّ هَلَكَ النِّصَابُ أَوْ بَعْضُهُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، خَرَجَ الْمَدْفُوعُ عَنْ كَوْنِهِ زَكَاةً بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الزَّكَاةِ الْحَوْلُ وَلَمْ يُوجَدْ، وأما: الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الْمَالِكَ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَبَيَّنَ عِنْدَ الدَّفْعِ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ، وَقَالَ: إنْ عَرَضَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِهَا اسْتَرْجَعْتُهَا - فَلَهُ الرُّجُوعُ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: هَذِهِ زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ أَوْ عَلِمَ الْقَابِضُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الرُّجُوعَ فَطَرِيقَانِ: أصحهما: الْقَطْعُ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ. وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ. والثاني: فِيهِ وَجْهَانِ: أصحهما: هَذَا. والثاني: لَا رُجُوعَ، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ وُجِدَ. فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فَرْضًا وَقَعَ نَفْلًا، كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ صَدَقَتِي الْمُعَجَّلَةُ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْمَوْقِعَ وَإِلَّا فَهِيَ نَافِلَةٌ. فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَا رُجُوعَ لَهُ إذًا لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِعَ بِلَا خِلَافٍ. ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ: وَهَذَا الْخِلَافُ قَرِيبٌ مِنْ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَنَّهَا هَلْ تَنْعَقِدُ نَفْلًا؟ وَلَهُ نَظَائِرُ سَبَقَتْ هُنَاكَ، وَإِنْ دَفَعَهَا الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي وَذَكَرَ أَنَّهَا مُعَجَّلَةٌ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ الرُّجُوعُ، ثَبَتَ الِاسْتِرْدَادُ بِلَا خِلَافٍ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِالْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ قَالَ الْمَالِكُ: مُعَجَّلَةٌ فَقَطْ. وَإِنْ دَفَعَ الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي أَوْ الْمَالِكُ وَلَمْ يَقُلْ: إنَّهَا مُعَجَّلَةٌ، وَلَا عَلِمَهُ الْقَابِضُ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: أَحَدُهَا: يَثْبُتُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ. والثاني: لَا يَثْبُتُ مُطْلَقًا لِتَفْرِيطِ الرَّفْعِ. والثالث: إنْ دَفَعَ الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي رَجَعَ، وَإِنْ دَفَعَ الْمَالِكُ فَلَا؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَبِهَذَا الثَّالِثِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ.