فهرس الكتاب
ج / 6 ص -76- وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالسَّرَخْسِيُّ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمَامِ أَنَّهُ يَسْتَرِدُّ، وَفِي الْمَالِكِ لَا يَسْتَرِدُّ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ: أحدهما: يَسْتَرِدُّ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا ظَانًّا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا فَلَمْ يَكُنْ، فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ بِلَا خِلَافٍ. والثاني: لَا يَسْتَرِدُّ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَقَعُ فَرْضًا وَقَدْ تَقَعُ تَطَوُّعًا، فَإِذَا لَمْ تَقَعْ فَرْضًا وَقَعَتْ تَطَوُّعًا، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ ظَانًّا بَقَاءَهُ فَبَانَ تَالِفًا، فَإِنَّهُ يَقَعُ تَطَوُّعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ عَمَلًا بِظَاهِرِ النَّصِّ، فَقَالَ: يَسْتَرِدُّ الْإِمَامُ دُونَ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يُعْطِي مِنْ مَالِهِ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فَرْضًا وَقَعَ نَفْلًا، وَالْإِمَامُ لَا يُعْطِي مِنْ مَالِ الْغَيْرِ إلَّا فَرْضًا، فَكَانَ دَفْعُهُ الْمُطْلَقَ كَالْمُقَيَّدِ بِالْفَرْضِ. قَالَا: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَالِكِ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالَيْنِ، فَقَوْلُهُ: يَسْتَرِدُّ إذَا أَعْلَمَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ. وَحَيْثُ قَالَ: (لَا يَسْتَرِدُّ) ، أَرَادَ إذَا لَمْ يُعْلِمْهُ التَّعْجِيلَ، سَوَاءٌ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مَفْرُوضَةٌ أَمْ لَا.
فَإِنْ أَثْبَتْنَا الرُّجُوعَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَقَالَ الْمَالِكُ: قَصَدْتُ بِالْمَدْفُوعِ التَّعْجِيلَ، وَأَنْكَرَ الْقَابِضُ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ ادَّعَى الْمَالِكُ عِلْمَ الْقَابِضِ بِالتَّعْجِيلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِعِلْمِهِ، وَهَلْ يَحْلِفُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أصحهما: يَحْلِفُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ بِمَا قَالَهُ الدَّافِعُ لَضَمِنَ. والثاني: لَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ دَعْوَى رَبِّ الْمَالِ تُخَالِفُ الظَّاهِرَ فَلَمْ تُسْمَعْ. فَإِنْ قُلْنَا: يَحْلِفُ. حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَوْ وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الدَّافِعِ وَوَارِثِ الْقَابِضِ صُدِّقَ الْوَارِثُ، وَهَلْ يَحْلِفُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ كَالْقَابِضِ. وَإِذَا قُلْنَا: لَا رُجُوعَ إذَا لَمْ يَذْكُرْ التَّعْجِيلَ وَلَا عَلِمَهُ الْقَابِضُ فَتَنَازَعَا فِي ذِكْرِهِ، أَوْ قُلْنَا: يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِاشْتِرَاطِ الرُّجُوعِ فَتَنَازَعَا فِيهِ، أَوْ دَفَعَ الْإِمَامُ وَقُلْنَا: يُشْتَرَطُ لِرُجُوعِهِ أَنْ يُبَيِّنَ كَوْنَهَا مُعَجَّلَةً فَتَنَازَعَا فِيهِ، فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ: أصحهما: يُصَدَّقُ الدَّافِعُ بِيَمِينِهِ، كَمَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى إنْسَانٍ وَقَالَ: دَفَعْتُهُ عَارِيَّةً، وَقَالَ الْقَابِضُ: بَلْ هِبَةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ بِيَمِينِهِ. والثاني: يُصَدَّقُ الْقَابِضُ بِيَمِينِهِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ مَلَكَ الْمَقْبُوضَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ هُنَا بِلَا خِلَافٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ: وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: هَذَا كُلُّهُ إذَا عَرَضَ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْقَابِضِ الزَّكَاةَ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ بِلَا سَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالتَّعْجِيلِ، فَهُوَ كَمَنْ عَجَّلَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا لَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ، وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ زَكَاتِي أَوْ صَدَقَتِي الْمَفْرُوضَةُ، فَطَرِيقَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ: أحدهما: أَنَّهُ كَمَنْ ذَكَرَ التَّعْجِيلَ دُونَ الرُّجُوعِ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا أَصْلًا، وَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّ الْمَالِكَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَسْتَرِدُّ وَأَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَرِدُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلَّهُ فِيمَا إذَا عَرَضَ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الْمَدْفُوعِ زَكَاةً، كَمَوْتِ الْقَابِضِ وَتَغَيُّرِ حَالِهِ وَتَلَفِ النِّصَابِ وَنَقْصِهِ أَوْ تَغَيُّرِ صِفَتِهِ بِأَنْ كَانَ سَائِمَةً فَعَلَفَهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَحَيْثُ قُلْنَا: لَهُ الرُّجُوعُ لَوْ تَلِفَ النِّصَابُ أَوْ بَعْضُهُ فَأَتْلَفَهُ الْمَالِكُ أَوْ أَتْلَفَ مِنْهُ مَا نَقَصَ بِهِ النِّصَابُ، فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَالنَّفَقَةِ أَوْ الْخَوْفِ عَلَيْهِ أَوْ ذَبَحَهُ لِلْأَكْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - ثَبَتَ الرُّجُوعُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ حَاجَةٌ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا أصحهما: يَثْبُتُ الرُّجُوعُ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: