فهرس الكتاب

الصفحة 2118 من 4102

ج / 6 ص -100- مِنْ الْفَرَائِضِ حَتَّى يُوَصِّلَهَا إلَى أَهْلِهَا؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ أَهْلُ رُشْدٍ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ، فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَإِنْ أَخَذَ نِصْفَ شَاةٍ أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَوَاشِي وَخَافَ هَلَاكَهُ أَوْ خَافَ أَنْ يُؤْخَذَ فِي الطَّرِيقِ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَبْعَثْ الْإِمَامُ السَّاعِيَ وَجَبَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُفَرِّقَ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ، وَالْإِمَامُ نَائِبٌ عَنْهُمْ، فَإِذَا تَرَكَ النَّائِبُ عَنْهُمْ لَمْ يَتْرُكْ مَنْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنْ قُلْنَا: إنَّ الْأَمْوَالَ الظَّاهِرَةَ يَجِبُ دَفْعُ زَكَاتِهَا إلَى الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَرِّقَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ تَوَجَّهَ حَقُّ الْقَبْضِ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ، فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ الْإِمَامُ لَمْ يُفَرِّقْ كَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ"."

الشرح: هَذِهِ الْمَسَائِلُ كَمَا ذَكَرَهَا وَسَبَقَ شَرْحُهَا قَرِيبًا قَبْلَ الْوَسْمِ، وَمَسْأَلَةُ النَّصِّ سَبَقَ شَرْحُهَا مَعَ نَظَائِرِهَا أَوَّلَ الْبَابِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَصِحُّ أَدَاءُ الزَّكَاةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَلَمْ تَصِحَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالصَّلَاةِ، وَفِي وَقْتِ النِّيَّةِ وَجْهَانِ: أحدهما: يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ حَالَ الدَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَدْخُلُ فِيهَا بِفِعْلِهِ فَوَجَبَتْ النِّيَّةُ فِي ابْتِدَائِهَا كَالصَّلَاةِ. والثاني: يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهَا وَنِيَّتُهُ غَيْرُ مُقَارَنَةٍ لِأَدَاءِ الْوَكِيلِ، فَجَازَ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الزَّكَاةَ أَوْ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ أَوْ صَدَقَةَ الْمَالِ، فَإِنْ نَوَى صَدَقَةً مُطْلَقَةً لَمْ تُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ نَفْلًا فَلَا تَنْصَرِفُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِالتَّعْيِينِ. وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْيِينُ الْمَالِ الْمُزَكَّى عَنْهُ. وَإِنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ حَاضِرٌ وَنِصَابٌ غَائِبٌ فَأَخْرَجَ الْفَرْضَ فَقَالَ: هَذَا عَنْ الْحَاضِرِ أَوْ الْغَائِبِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لَكَانَتْ عَنْ أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَضُرَّ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ. فَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ سَالِمًا فَهَذَا عَنْ زَكَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَالِمًا فَهُوَ عَنْ الْحَاضِرِ فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ هَالِكًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ وَكَانَ الْغَائِبُ هَالِكًا لَكَانَ هَذَا عَنْ الْحَاضِرِ. وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ سَالِمًا فَهَذَا عَنْ زَكَاتِهِ أَوْ تَطَوُّعٌ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ. وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ سَالِمًا فَهَذَا عَنْ زَكَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَالِمًا فَهُوَ تَطَوُّعٌ وَكَانَ سَالِمًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْلَصَ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لَكَانَ هَذَا مُقْتَضَاهُ فَلَمْ يَضُرَّ التَّقْيِيدُ. وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ يَرِثُهُ فَأَخْرَجَ مَالًا وَقَالَ: إنْ كَانَ قَدْ مَاتَ مُوَرِّثِي فَهَذَا عَنْ زَكَاةِ مَا وَرِثْتُهُ مِنْهُ وَكَانَ قَدْ مَاتَ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ النِّيَّةَ عَلَى أَصْلٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، وَإِنَّ كُلَّ مَنْ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَنَوَى عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ، وَنَوَى الْوَكِيلَ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْفُقَرَاءِ أَجْزَأَهُ. وَإِنْ نَوَى الْوَكِيلَ وَلَمْ يَنْوِ الْمُوَكَّلَ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فَرْضٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَلَمْ تَصِحَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَإِنْ نَوَى رَبَّ الْمَالِ وَلَمْ يَنْوِ الْوَكِيلَ فَفِيهِ طَرِيقَانِ، مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَرْضُ قَدْ نَوَى فِي وَقْتِ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ، فَتَعَيَّنَ الْمَدْفُوعُ لِلزَّكَاةِ، فَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى النِّيَّةِ. وَمَنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَبْنِي عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ النِّيَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ وَلَمْ يَنْوِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: يُجْزِئُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ الْفَرْضُ فَاكْتَفَى بِهَذَا الظَّاهِرِ عَنْ النِّيَّةِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَكِيلٌ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى الْفُقَرَاءِ لَمْ يُجْزِ إلَّا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الدَّفْعِ، فَكَذَلِكَ إذَا دَفَعَ إلَى وَكَيْلِهِمْ، وَتَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِلُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله عَلَى مَنْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت