فهرس الكتاب
ج / 6 ص -103- الْكَفَّارَةِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَنْوِيَ حِينَ يَزِنُ قَدْرَ الزَّكَاةِ، وَيَعْزِلُهُ وَلَا يَنْوِي عِنْدَ الدَّفْعِ، وَأَشَارَ إلَى هَذَا التَّصْوِيرِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ.
الرابعة: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَالِ الْمُزَكَّى فِي النِّيَّةِ فَلَوْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَاضِرَةً وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ غَائِبَةً، فَأَخْرَجَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِنِيَّةِ زَكَاةِ مَالِهِ أَجْزَأَهُ بِلَا تَعْيِينٍ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً وَخَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ فَأَخْرَجَ شَاتَيْنِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ أَجْزَأَهُ بِلَا تَعْيِينٍ، وَلَوْ أَخْرَجَ بِلَا تَعْيِينٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا ثُمَّ بَانَ تَلَفُ أَحَدِ الْمَالَيْنِ أَوْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ فَلَهُ جَعْلُ الزَّكَاةِ عَنْ الْبَاقِي، وَلَوْ عَيَّنَ مَالًا لَمْ يَنْصَرِفْ إلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا نَوَى بِالْخَمْسَةِ أَحَدَهُمَا: بِعَيْنِهِ فَبَانَ تَالِفًا، لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْآخَرِ وَلَوْ قَالَ هَذِهِ الْخَمْسَةُ عَنْ أَحَدِهِمَا فَبَانَ أَحَدُهُمَا تَالِفًا وَالْآخَرُ سَالِمًا أَجْزَأَهُ عَنْ السَّالِمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ وَقَعَ عَنْ السَّالِمِ فَلَا يَضُرُّهُ التَّقْيِيدُ بِهِ، وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ الْغَائِبُ سَالِمًا فَهَذَا عَنْ زَكَاتِهِ وَإِلَّا فَهُوَ عَنْ الْحَاضِرِ وَكَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا فَقَدْ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْحَاضِرِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَكَذَا نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ.
قَالُوا: وَلَا يَضُرُّ هَذَا التَّرَدُّدُ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ قَالَ: هَذَا عَنْ الْحَاضِرِ أَوْ عَنْ الْغَائِبِ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ خَمْسَةٌ أُخْرَى إنْ كَانَا سَالِمَيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ إنْ كَانَ الْوَقْتُ دَخَلَ وَإِلَّا فَعَنْ الْفَائِتَةِ لَا يُجْزِئُهُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطُ الصَّلَاةِ، وَحَكَوْا عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ تَرَدُّدًا فِي إجْزَائِهِ عَنْ الْحَاضِرِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى إجْزَائِهِ عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ بَاقِيًا. وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِإِجْزَائِهِ أَيْضًا عَنْ الْحَاضِرِ إنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا. وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا فَعَنْ الْحَاضِرِ أَوْ هِيَ صَدَقَةٌ، فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ سَالِمًا أَجْزَأَهُ عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا لَمْ يَقَعْ عَنْ الْحَاضِرِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ سَالِمًا فَهَذَا عَنْ زَكَاتِهِ أَوْ نَافِلَةٌ، فَكَانَ سَالِمًا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ الْقَصْدُ لِلْفَرْضِ، وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ سَالِمًا فَهَذَا عَنْ زَكَاتِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ فَكَانَ سَالِمًا أَجْزَأَهُ عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لَكَانَ هَذَا مُقْتَضَاهُ فَلَا يَضُرُّ التَّقْيِيدُ بِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: هَذَا عَنْ زَكَاةِ مَالِي الْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَهُوَ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ فَكَانَ سَالِمًا أَجْزَأَهُ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لَوْ بَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا لَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ. قَالُوا: وَكَذَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ زَكَاةُ الْغَائِبِ فَبَانَ تَالِفًا لَا يَجُوزُ إلَّا الِاسْتِرْدَادُ إلَّا إذَا صَرَّحَ. فَقَالَ: هَذَا عَنْ زَكَاةِ الْغَائِبِ. فَإِنْ كَانَ تَالِفًا اسْتَرْدَدْته. وَأَمَّا إذَا أَخْرَجَ الْخَمْسَةَ وَقَالَ: إنْ كَانَ مُورِثِي مَاتَ وَوَرِثْت مَالَهُ فَهَذِهِ زَكَاتُهُ، فَبَانَ أَنَّهُ مَاتَ وَوِرْثَهُ فَلَا تُحْسَبُ الْخَمْسَةُ عَنْ زَكَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ. صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَجَمِيعُ الْأَصْحَابِ. قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ عَلَى أَصْلٍ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِرْثِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَالِ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ فَاعْتُضِدَ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ بِأَصْلِ الْبَقَاءِ. وَنَظِيرُهُ مَنْ قَالَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ: أَصُومُ غَدًا إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ، فَبَانَ مِنْهُ يُجْزِئُهُ. وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَتَيْ زَكَاةِ الْغَائِبِ وَالْإِرْثِ. قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ: وَكَذَا لَوْ جَزَمَ الْوَارِثُ فَقَالَ: هَذَا زَكَاةُ مَا وَرِثْتُهُ عَنْ مُوَرِّثِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَوْتَهُ، فَلَا يُجْزِئُهُ بِالِاتِّفَاقِ أَيْضًا.