فهرس الكتاب

الصفحة 2122 من 4102

ج / 6 ص -104- قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ. أَمَّا إذَا قَالَ: هَذَا عَنْ مَالِي الْغَائِبِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ فَكَانَ بَاقِيًا أَجْزَأَهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلَيْسَ لَهُ صَرْفُ الْمُخْرَجِ إلَى زَكَاةِ الْحَاضِرِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَآخَرُونَ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّ لَهُ صَرْفَهُ إلَى الْحَاضِرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَإِنْ قِيلَ: تَصِحُّ هَذِهِ الصُّوَرُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ لَا يُجَوِّزُ نَقْلَ الزَّكَاةِ فَكَيْفَ تَصِحُّ عَنْ الْغَائِبِ؟ ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يُتَصَوَّرُ إذَا جَوَّزْنَا نَقْلَ الزَّكَاةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَتُتَصَوَّرُ بِالِاتِّفَاقِ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِهِ، وَلَكِنَّهُ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ لَا فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَتُتَصَوَّرُ فِيمَنْ هُوَ فِي سَفِينَةٍ أَوْ بَرِّيَّةٍ وَمَعَهُ مَالٌ، وَلَهُ مَالٌ آخَرُ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ، فَمَوْضِعُ تَفْرِيقِ الْمَالَيْنِ وَاحِدٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الخامسة: إذَا وَكَّلَ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ نَوَى الْمُوَكِّلُ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ وَنَوَى الْوَكِيلُ عِنْدَ الصَّرْفِ إلَى الْأَصْنَافِ، أَوْ عِنْدَ الصَّرْفِ إلَى الْإِمَامِ أَوْ السَّاعِي أَجْزَأَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ الْأَكْمَلُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِيَا أَوْ نَوَى الْوَكِيلُ دُونَ الْمُوَكَّلِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِنْ نَوَى الْمُوَكِّلُ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ دُونَ الْوَكِيلِ فَطَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: أحدهما: الْقَطْعُ بِالْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِالزَّكَاةِ هُوَ الْمَالِكُ وَقَدْ نَوَى وَأَصَحُّهُمَا: فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى التَّفْرِيقِ، إنْ جَوَّزْنَا أَجْزَأَ هَذَا وَإِلَّا فَلَا، وَالْمَذْهَبُ الْإِجْزَاءُ. وَلَوْ وَكَّلَهُ وَفَوَّضَ إلَيْهِ النِّيَّةَ وَنَوَى الْوَكِيلُ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: أَجْزَأَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى الْوَكِيلِ بِلَا نِيَّةٍ وَدَفَعَ الْوَكِيلُ وَلَمْ يَنْوِ، لَكِنْ نَوَى الْمُوَكِّلُ حَالَ دَفْعِ الْوَكِيلِ إلَى الْأَصْنَافِ أَجْزَأَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْمُوَكِّلِ قَارَنَتْ الصَّرْفَ إلَى الْمُسْتَحِقِّ، فَأَشْبَهَ تَفْرِيقَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى الْوَكِيلِ بِلَا نِيَّةٍ، ثُمَّ نَوَى قَبْلَ صَرْفِ الْوَكِيلِ إلَى الْأَصْنَافِ فَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ الْبَيَانِ بِالْإِجْزَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ فَرْعَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ تَقَدُّمُ النِّيَّةِ عَلَى الدَّفْعِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَإِنْ قِيلَ: قُلْتُمْ هُنَا: إنَّ النَّائِبَ لَوْ نَوَى وَحْدَهُ لَا يُجْزِئُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ نَوَى الْمُوَكِّلُ وَحْدَهُ أَجْزَأَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِي الْحَجِّ عَكْسُهُ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّائِبِ، وَهُوَ الْأَجِيرُ وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْمُسْتَأْجَرِ وَلَا تَنْفَعُ فَالْجَوَابُ: مَا أَجَابَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ أَنَّ الْفَرْضَ فِي الْفِعْلِ يَقَعُ بِفِعْلِ الْوَكِيلِ، فَاشْتُرِطَ قَصْدُهُ الْأَدَاءَ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ، لِيَنْصَرِفَ الْفِعْلُ إلَيْهِ، وَأَمَّا هُنَا فَالْفَرْضُ يَقَعُ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ، فَاكْتَفَى بِنِيَّتِهِ، قَالُوا: وَنَظِيرُ الْحَجِّ أَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ: أَدِّ زَكَاةَ مَالِي مِنْ مَالِكَ، فَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْوَكِيلِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

السادسة: وَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ وَيَلْزَمُهُ النِّيَّةُ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَوْ دَفَعَ بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يَقَعْ زَكَاةً وَيَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ، وَعَلَيْهِ اسْتِرْدَادُهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِتَفْرِيطِهِ، صَرَّحَ بِهِ ابْنُ كَجٍّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ.

السابعة: إذَا تَوَلَّى السُّلْطَانُ قَسْمَ زَكَاةِ إنْسَانٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ دَفَعَهَا طَوْعًا وَنَوَى عِنْدَ الدَّفْعِ، كَفَاهُ وَأَجْزَأَ وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ السُّلْطَانِ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْأَصْنَافِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُمْ فِي الْقَبْضِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمَالِكُ وَنَوَى السُّلْطَانُ أَوْ لَمْ يَنْوِ أَيْضًا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ. أحدهما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت