فهرس الكتاب
ج / 6 ص -105- يُجْزِئُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الْمَحَامِلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَصَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ: لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا الْفَرْضُ فَاكْتَفَى بِهَذَا الظَّاهِرِ عَنْ النِّيَّةِ. والثاني: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ، وَالنِّيَّةُ وَاجِبَةٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يَقْبِضُ نِيَابَةً عَنْ الْمَسَاكِينِ، وَلَوْ دَفَعَ الْمَالِكُ إلَى الْمَسَاكِينِ بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِئْهُ فَكَذَا إذَا دَفَعَ إلَى نَائِبِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ
قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ: هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَتَأَوَّلُوا نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُمْتَنِعُ مِنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ فَيُجْزِئُهُ إذَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إذَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمَالِكُ طَائِعًا كَانَ أَوْ مُكْرَهًا، قُلْتُ: وَهَذَا نَصٌّ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ يُجْزِئُهُ فِي الظَّاهِرِ فَلَا يُطَالَبُ بِالزَّكَاةِ مَرَّةً أُخْرَى. وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ وَقَدْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ فِي الْبَاطِنِ. وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
هَذَا كُلُّهُ إذَا دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْإِمَامِ بِاخْتِيَارِهِ. فَأَمَّا إذَا امْتَنَعَ فَأَخَذَهَا مِنْهُ الْإِمَامُ قَهْرًا - فَإِنْ نَوَى رَبُّ الْمَالِ حَالَ الْأَخْذِ - أَجْزَاهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، كَمَا سَبَقَ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ رَبُّ الْمَالِ نَظَرَ إنْ نَوَى الْإِمَامُ أَجْزَأَهُ فِي الظَّاهِرِ فَلَا يُطَالَبُ ثَانِيًا وَهَلْ يُجْزِئُهُ بَاطِنًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ أصحهما: يُجْزِئُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَجُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ. وَتَقُومُ نِيَّةُ الْإِمَامِ مَقَامَ نِيَّتِهِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا تَقُومُ نِيَّةُ وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ مَقَامَ نِيَّتِهِ لِلضَّرُورَةِ. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ أَيْضًا لَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ فِي الْبَاطِنِ قَطْعًا. وَهَلْ يَسْقُطُ فِي الظَّاهِرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَيْضًا الأصحلَا يَسْقُطُ. هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ وأما: وُجُوبُ النِّيَّةِ عَلَى الْإِمَامِ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ وَأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ نِيَّةِ الْمَالِكِ. وَأَنَّ الْإِمَامَ إذَا لَمْ يَنْوِ عَصَى. هَكَذَا قَالَ هَذَا كُلَّهُ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِهِ التَّلْخِيصَ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: إنْ قُلْنَا: لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْ الْمُمْتَنِعِ فِي الْبَاطِنِ لَمْ تَجِبْ النِّيَّةُ عَلَى الْإِمَامِ. وَإِلَّا فَوَجْهَانِ: أحدهما: تَجِبُ كَالْوَلِيِّ. والثاني: لَا؛ لِئَلَّا يَتَهَاوَنَ الْمَالِكُ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنَةُ: لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ وَكَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةُ فَرْضٍ فَصَلَّى مِائَةَ صَلَاةٍ نَافِلَةً لَا يُجْزِئُهُ بِلَا خِلَافٍ. هَذَا مَذْهَبُنَا. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ أَيْضًا عَنْ الزَّكَاةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُجْزِئُهُ عَنْ زَكَاةِ ذَلِكَ الْبَعْضِ، وَلَوْ أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَنَوَى بِهَا الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَكَانَتْ تَطَوُّعًا. وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُجْزِئُهُ عَنْ الزَّكَاةِ. دَلِيلُنَا أَنَّهُ لَمْ تَمَحَّضْ لِلْفَرْضِ فَلَمْ تَصِحَّ عَنْهُ كَالصَّلَاةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.