فهرس الكتاب
ج / 6 ص -109- الَّذِي تُحْفَظُ فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ الزَّكَاةِ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَافِظُ وَالنَّاقِلُ هَاشِمِيًّا وَمُطَّلِبِيًّا بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُ أَجِيرٌ مَحْضٌ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ فِي أُجْرَةِ رَاعِي أَمْوَالِ الزَّكَاةِ بَعْدَ قَبْضِهَا وَحَافِظِهَا وَجْهَيْنِ: أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ تَجِبُ فِي جُمْلَةِ الزَّكَاةِ. والثاني: تَجِبُ فِي سَهْمِ الْعَامِلِ خَاصَّةً. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمهم الله:"وَسَهْمٌ لِلْفُقَرَاءِ، وَالْفَقِيرُ هُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ فَيُدْفَعُ إلَيْهِ مَا تَزُولُ بِهِ حَاجَتُهُ مِنْ أَدَاةٍ يَعْمَلُ بِهَا1 إنْ كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ، أَوْ بِضَاعَةٌ يَتْجُرُ فِيهَا حَتَّى لَوْ احْتَاجَ إلَى مَالٍ كَثِيرٍ لِلْبِضَاعَةِ الَّتِي تَصْلُحُ لَهُ، وَيُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ، وَإِنْ عُرِفَ لِرَجُلٍ مَالٌ وَادَّعَى أَنَّهُ افْتَقَرَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ غِنَاهُ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْفَقْرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، كَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنُ آدَمِيٍّ وَعَرَفَ لَهُ مَالٌ فَادَّعَى الْإِعْسَارَ، فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا وَادَّعَى أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ أُعْطِيَ، لِمَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخِيَارِ"أَنَّ رَجُلَيْنِ سَأَلَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّدَقَةَ فَصَعَّدَ بَصَرَهُ إلَيْهِمَا وَصَوَّبَ ثُمَّ قَالَ: أُعْطِيكُمَا بَعْدَ أَنْ أُعْلِمَكُمَا أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ"وَهَلْ يَحْلِفُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: لَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُحَلِّفْ الرَّجُلَيْنِ. الثاني: يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ مَعَ الْقُوَّةِ".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ:"أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ فَرَآنَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ"هَذَا لَفْظُ إسْنَادِ الْحَدِيثِ وَمَتْنُهُ فِي كِتَابِ السُّنَنِ وَقَوْلُهُ: (جَلْدَيْنِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ قَوِيَّيْنِ. وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُهَذَّبِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخِيَارِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ. وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، وَالْأَوَّلُ غَلَطٌ صَرِيحٌ وَهُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ. بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتٍ: ابْنِ نَوْفَلَ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ بْنِ قُصَيٍّ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ. وَكَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيَّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ. وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ سَأَلَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَعُبَيْدُ اللَّهِ تَابِعِيٌّ فَجَعَلَ الْحَدِيثَ مُرْسَلًا وَهُوَ غَلَطٌ، بَلْ الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَالرَّجُلَانِ صَحَابِيَّانِ لَا يَضُرُّ جَهَالَةُ عَيْنِهِمَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ.
وَقَوْلُهُ: (صَعَّدَ بَصَرَهُ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ، أَيْ رَفَعَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَصَوَّبَهُ) أَيْ خَفَضَهُ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ (مِنْ أَدَاةٍ يَعْمَلُ بِهَا) هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِدَالٍ مُهْمَلَةٍ، وَهِيَ الْآلَةُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أفتيت بهذا لبنك فيصل الإسلامي فقلت: يجوز أن يعطي البتك لأصحاب الحرف كالنجارين والسباكين والخراطين وآلات تعينهم في عملهم ورزقهم ولعلهم يصيبون من الكسب ما يجعلهم مؤدين للزكاة إذا اغتنوا بعد قليل إن شاء الله (ط) .