فهرس الكتاب

الصفحة 2128 من 4102

ج / 6 ص -110- أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهِ مَسَائِلُ:

إحداها: فِي حَقِيقَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ سَهْمًا فِي الزَّكَاةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: هُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ لَا بِمَالٍ وَلَا بِكَسْبٍ، وَشَرَحَهُ الْأَصْحَابُ فَقَالُوا: هُوَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ أَصْلًا أَوْ لَهُ مَا لَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلَى حَاجَتِهِ بِأَنْ كَانَ يَحْتَاجُ كُلَّ يَوْمٍ إلَى عَشْرَةِ دَرَاهِمَ وَهُوَ يَمْلِكُ دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً كُلَّ يَوْمٍ فَهُوَ فَقِيرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ الْكِفَايَةِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ: وَلَوْ كَانَ لَهُ دَارٌ يَسْكُنُهَا أَوْ ثَوْبٌ يَلْبَسُهُ مُتَجَمِّلًا بِهِ فَهُوَ فَقِيرٌ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فَقْرَهُ لِضَرُورَتِهِ إلَيْهِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِعَبْدِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْخِدْمَةِ، وَهُوَ فِي سَائِرِ الْأُصُولِ مُلْحَقٌ بِالْمَسْكَنِ قلت: قَدْ صَرَّحَ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ التَّجْرِيدِ بِأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْخِدْمَةِ كَالْمَسْكَنِ، وَأَنَّهُمَا لَا يَمْنَعَانِ أَخْذَهُ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَثِيَابِهِ

قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْقَدْرُ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ الدَّيْنُ لَا حُكْمَ لِوُجُودِهِ وَلَا يَمْنَعُ الِاسْتِحْقَاقَ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ، كَمَا لَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ. قَالَ: وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْطِي سَهْمَ الْفُقَرَاءِ حَتَّى يَصْرِفَ مَا عِنْدَهُ إلَى الدَّيْنِ1. قَالَ الْبَغَوِيّ: يَجُوزُ أَخْذُ الزَّكَاةِ لِمَنْ مَالُهُ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ إلَى أَنْ يَصِلَ مَالُهُ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلُ فَلَهُ أَخْذُ كِفَايَتِهِ إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَدْ يَتَرَدَّدُ النَّاظِرُ فِي اشْتِرَاطِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ. وَأَمَّا الْكَسْبُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُشْتَرَطُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ سَهْمُ الْفُقَرَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ كَسْبٌ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَالِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَجْزُ عَنْ أَصْلِ الْكَسْبِ، قَالُوا: وَالْمُعْتَبَرُ كَسْبٌ يَلِيقُ بِحَالِهِ وَمُرُوءَتِهِ، وَأَمَّا مَا لَا يَلِيقُ بِهِ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ. قَالُوا: وَلَوْ قَدَرَ عَلَى كَسْبٍ يَلِيقُ بِحَالِهِ إلَّا أَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِتَحْصِيلِ بَعْضِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ أَقْبَلَ عَلَى الْكَسْبِ لَانْقَطَعَ عَنْ التَّحْصِيلِ حَلَّتْ لَهُ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ.

وأما: مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ التَّحْصِيلُ فَلَا تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ، وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا بِالْمَدْرَسَةِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الْمُشْتَغِلِ بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَسْتَحِقُّ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ. والثاني: لَا. والثالث: إنْ كَانَ نَجِيبًا يُرْجَى تَفَقُّهُهُ وَنَفْعُ الْمُسْلِمِينَ بِهِ اسْتَحَقَّ وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهَا الدَّارِمِيُّ فِي بَابِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَأَمَّا مَنْ أَقْبَلَ عَلَى نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ - وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ مِنْهَا. أَوْ مِنْ اسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ بِهَا - فَلَا تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ عِبَادَتِهِ قَاصِرَةٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُشْتَغِلِ بِالْعِلْمِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْكَسُوبُ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ حَلَّتْ لَهُ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ.

فرع: هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْفَقِيرِ الزَّمَانَةُ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ السُّؤَالِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ لَا يُشْتَرَطُ. وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ والثاني: حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ قَوْلَانِ أصحهما: لَا يُشْتَرَطُ والثاني: يُشْتَرَطُ، قَالُوا: الْجَدِيدُ لَا يُشْتَرَطُ، وَالْقَدِيمُ يُشْتَرَطُ، وَتَأَوَّلَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ الْقَدِيمَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 الدين: بفتح الدال مع التشديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت