فهرس الكتاب

الصفحة 2131 من 4102

ج / 6 ص -113- الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قَدْرِ الْمَصْرُوفِ إلَى الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، قَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَكَثِيرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ: يُعْطِيَانِ مَا يَخْرُجُهُمَا مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْغِنَى، وَهُوَ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ عَلَى الدَّوَامِ. وَهَذَا هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ الصَّحَابِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ، رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالْقِوَامُ وَالسِّدَادُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا، وَهُمَا بِمَعْنًى.

قَالَ أَصْحَابُنَا: فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَسْأَلَةَ حَتَّى يُصِيبَ مَا يَسُدُّ حَاجَتَهُ فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالُوا: وَذِكْرُ الثَّلَاثَةِ فِي الشَّهَادَةِ لِلِاسْتِظْهَارِ لَا لِلِاشْتِرَاطِ قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ كَانَتْ عَادَتْهُ الِاحْتِرَافَ أُعْطِيَ مَا يَشْتَرِي بِهِ حِرْفَتَهُ أَوْ آلَاتِ حِرْفَتِهِ، قَلَّتْ قِيمَةُ ذَلِكَ أَمْ كَثُرَتْ، وَيَكُونُ قَدْرُهُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ رِبْحِهِ مَا يَفِي بِكِفَايَتِهِ تَقْرِيبًا. وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْحِرَفِ وَالْبِلَادِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَشْخَاصِ. وَقَرَّبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ذَلِكَ فَقَالُوا: مَنْ يَبِيعُ الْبَقْلَ يُعْطَى خَمْسَةَ دَرَاهِمَ أَوْ عَشْرَةَ، وَمَنْ حِرْفَتُهُ بَيْعُ الْجَوْهَرِ يُعْطَى عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ مَثَلًا إذَا لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ الْكِفَايَةُ بِأَقَلَّ مِنْهَا. وَمَنْ كَانَ تَاجِرًا أَوْ خَبَّازًا أَوْ عَطَّارًا أَوْ صَرَّافًا أُعْطِيَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَ خَيَّاطًا أَوْ نَجَّارًا أَوْ قَصَّارًا أَوْ قَصَّابًا أَوْ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الصَّنَائِعِ أُعْطِيَ مَا يَشْتَرِي بِهِ الْآلَاتِ الَّتِي تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الضِّيَاعِ يُعْطَى مَا يَشْتَرِي بِهِ ضَيْعَةً أَوْ حِصَّةً فِي ضَيْعَةٍ تَكْفِيهِ غَلَّتُهَا عَلَى الدَّوَامِ.

قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَرِفًا وَلَا يُحْسِنُ صَنْعَةً أَصْلًا وَلَا تِجَارَةً وَلَا شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ أُعْطِيَ كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ لِأَمْثَالِهِ فِي بِلَادِهِ وَلَا يَتَقَدَّرُ بِكِفَايَةِ سَنَةٍ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَغَيْرُهُ: يُعْطَى مَا يَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّ مِنْهُ كِفَايَتَهُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمِنْهُمْ مَنْ يُشْعِرُ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ يُعْطَى مَا يُنْفِقُ عَيْنَهُ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهِ، وَالصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ إعْطَائِهِ كِفَايَةَ عُمْرِهِ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَكَثِيرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يُعْطَى كِفَايَةَ سَنَةٍ وَلَا يُزَادُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ فَيَحْصُلُ كِفَايَتُهُ مِنْهَا سَنَةً سَنَةً، وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ فِي الْمِفْتَاحِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ كِفَايَةُ الْعُمْرِ. قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَآخَرِينَ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: هُوَ الْمَنْصُوصُ وَقَوْلُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا عُرِفَ لِرَجُلٍ مَالٌ فَادَّعَى تَلَفَهُ وَأَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَفِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ وَصِفَتِهَا كَلَامٌ سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ الْمُكَاتَبِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ دَعْوَاهُ الْهَلَاكَ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ كَالسَّرِقَةِ، أَوْ ظَاهِرٍ كَالْحَرِيقِ، وَإِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت