فهرس الكتاب
ج / 6 ص -114- لَمْ يُعْرَفْ مَالٌ وَادَّعَى الْفَقْرَ أَوْ الْمَسْكَنَةَ قُبِلَ1 قَوْلُهُ وَلَا يُطَالَبُ بِبَيِّنَةٍ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِنْسَانِ الْفَقْرُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا ادَّعَى أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ عَدَمُ الْكَسْبِ كَشَيْخٍ هَرِمٍ أَوْ شَابٍّ ضَعِيفِ الْبِنْيَةِ وَنَحْوِهِمَا، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ عَدَمُ الْكَسْبِ، وَإِنْ كَانَ شَابًّا قَوِيًّا لَمْ يُكَلَّفْ الْبَيِّنَةَ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَهَلْ يَحْلِفُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ لِلْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّ مَبْنَى الزَّكَاةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالرِّفْقِ، فَلَا يُكَلَّفُ يَمِينًا، وَالْقَائِلُ الْآخَرُ يَتَأَوَّلُ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلِمَ مِنْ حَالِهِمَا عَدَمَ الْكَسْبِ وَالْقُدْرَةِ. وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يُخَالِفُ هَذَا فإن قلنا: يَحْلِفُ، فَهَلْ الْيَمِينُ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ شَرْطٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ نَكِلَ، فَإِنْ قُلْنَا: شَرْطٌ لَمْ يُعْطَ وَإِلَّا أُعْطِيَ. وَلَوْ قَالَ: لَا مَالَ لِي وَاتَّهَمَهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ لَا كَسْبَ لِي فَيَجِيءُ فِي تَحْلِيفِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، هَكَذَا نَقَلُوهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمهم الله:"وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَالْمِسْكِينُ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ، فَأَمَّا الَّذِي يَجِدُ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ فَهُوَ الْفَقِيرُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْفُقَرَاءِ، وَالْعَرَبُ لَا تَبْدَأُ إلَّا بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ أَمَسُّ حَاجَةً؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا"وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يَتَعَوَّذُ مِنْ الْفَقْرِ"فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَقْرَ أَشَدُّ، وَيُدْفَعُ إلَى الْمِسْكِينِ تَمَامَ الْكِفَايَةِ، فَإِنْ ادَّعَى عِيَالًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِلَافَ الظَّاهِرِ"."
الشرح: أَمَّا قَوْلُهُ:"إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ الْفَقْرِ"فَهُوَ ثَابِتٌ فِي"الصحيحين"مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها. وَأَمَّا حَدِيثُ"أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا"فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ رضي الله عنه وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه وَإِسْنَادُهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: فَقَدْ اسْتَعَاذَ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْفَقْرِ وَسَأَلَ الْمَسْكَنَةَ. وَقَدْ كَانَ لَهُ صلى الله عليه وسلم بَعْضُ الْكِفَايَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ مَنْ لَهُ بَعْضُ الْكِفَايَةِ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: اسْتَعَاذَ مِنْ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَعَاذَ مِنْ الْحَالِ الَّتِي شَرَّفَهَا فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ، وَلَا مِنْ الْحَالِ الَّتِي سَأَلَ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحْيَى وَيُمَاتَ عَلَيْهَا، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَتُهُ صلى الله عليه وسلم مُخَالِفَةً لِمَا مَاتَ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ مَاتَ مَكْفِيًّا بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَقَالَ: وَوَجْهُ الْأَحَادِيثِ عِنْدِي أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ اللَّذَيْنِ يَرْجِعُ مَعْنَاهُمَا إلَى الْقِلَّةِ، كَمَا اسْتَعَاذَ صلى الله عليه وسلم مِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى، فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ"اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قبل: بضم القاف وكسر الباء.