فهرس الكتاب
ج / 6 ص -115- اسْتَعَاذَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ دُونَ حَالِ الْفَقْرِ، وَمَنْ فِتْنَةِ الْغِنَى دُونَ حَالِ الْغِنَى، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم إنْ كَانَ قَالَ"أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا"فَإِنْ صَحَّ طَرِيقُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ حَالُهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ مَسْكَنَةً يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إلَى الْقِلَّةِ، بَلْ مَسْكَنَةً مَعْنَاهَا الْإِخْبَاتُ وَالتَّوَاضُعُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ الْجَبَابِرَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَأَنْ لَا يُحْشَرَ فِي زُمْرَةِ الْأَغْنِيَاءِ الْمُتْرَفِينَ، قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: الْمَسْكَنَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ السُّكُونِ يُقَالُ: تَمَسْكَنَ الرَّجُلُ، إذَا لَانَ وَتَوَاضَعَ وَخَشَعَ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْبَيْهَقِيّ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّ الْمِسْكِينَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ، كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ لَا يَظْهَرُ لَهُ فَائِدَةٌ فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ بَلْ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ، لَكِنْ يَظْهَرُ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْمَسَاكِينِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ دُونَ الْفُقَرَاءِ، وَفِيمَنْ أَوْصَى بِأَلْفٍ لِلْفُقَرَاءِ وَبِمِائَةٍ لِلْمَسَاكِينِ وَفِيمَنْ نَذَرَ أَوْ حَلَفَ لِيَتَصَدَّقَنَّ عَلَى أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، أَمَّا إذَا أَطْلَقَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَالنَّذْرِ وَجَمِيعِ الْمَوَاضِعِ غَيْرَ الزَّكَاةِ وَلَمْ يَنْفِ الْآخَرَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يُعْطِيَ الصِّنْفَ الْآخَرَ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَضَابِطُهُ أَنَّهُ مَتَى أَطْلَقَ الْفُقَرَاءَ أَوْ الْمَسَاكِينَ تَنَاوَلَ الصِّنْفَيْنِ، وَإِنْ جَمَعَا أَوْ ذَكَرَ أَحَدَهُمَا وَنَفَى الْآخَرَ وَجَبَ التَّمْيِيزُ حِينَئِذٍ، وَيَحْتَاجُ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى بَيَانِ النَّوْعَيْنِ أَيُّهُمَا أَسْوَأُ حَالًا؟ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَبِهَذَا قَالَ خَلَائِقُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
أَمَّا: حَقِيقَةُ الْمِسْكِينِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: هُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلَا يَكْفِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: مِثَالُهُ: يَحْتَاجُ إلَى عَشْرَةٍ وَيَقْدِرُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ، وَسَبَقَ فِي فَصْلِ الْفَقِيرِ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَسْبِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَالِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الْكَسْبِ الْمُعْتَبَرِ وَالْمَالِ الْمُعْتَبَرِ، وَأَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ يُعْطَيَانِ تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا وَسَبَقَ كَيْفِيَّةُ إعْطَاءِ الْكِفَايَةِ وَجَمِيعُ الْفُرُوعِ السَّابِقَةِ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ الَّذِي يَمْلِكُهُ الْمِسْكِينُ نِصَابًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ كِفَايَتَهُ فَيُعْطَى تَمَامَ الْكِفَايَةِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُعْطَى مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا. دَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَالنُّصُوصُ مُطْلَقَةٌ فَلَا يُقْبَلُ تَقْيِيدُهَا إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ ادَّعَى الْفَقِيرُ أَوْ الْمِسْكِينُ عِيَالًا وَطَلَبَ أَنْ يُعْطَى كِفَايَتَهُ وَكِفَايَتَهُمْ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْعِيَالِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ أصحهما: لَا يُعْطَى إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِإِمْكَانِهَا وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَسَهْمٌ لِلْمُؤَلَّفَةِ وَهُمْ ضَرْبَانِ، مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ، فَأَمَّا الْكُفَّارُ فَضَرْبَانِ ضَرْبٌ يُرْجَى خَيْرُهُ، وَضَرْبٌ يُخَافُ شَرُّهُ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْطِيهِمْ، وَهَلْ يُعْطَوْنَ بَعْدَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: يُعْطَوْنَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَعْطَاهُمْ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ يُوجَدُ بَعْدَهُ. والثاني: لَا يُعْطَوْنَ؛ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ رضي الله عنهم بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُعْطُوهُمْ. وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه"إنَّا لَا نُعْطِي عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا، فَمَنْ شَاءَ فَلِيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ"فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُمْ يُعْطَوْنَ"