فهرس الكتاب
ج / 6 ص -116- فَإِنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا حَقَّ فِيهَا لِلْكُفَّارِ، وَإِنَّمَا يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ. أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَهُمْ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: قَوْمٌ لَهُمْ شَرَفٌ فَيُعْطَوْنَ لِيَرْغَبَ نُظَرَاؤُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ وَعَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ. والثاني: قَوْمٌ أَسْلَمُوا، وَنِيَّتُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ضَعِيفَةٌ فَيُعْطَوْنَ لِتَقْوَى نِيَّتُهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ. وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ.
وَهَلْ يُعْطَى هَذَانِ الْفَرِيقَانِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: لَا يُعْطَوْنَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَزَّ الْإِسْلَامَ فَأَغْنَى عَنْ التَّأَلُّفِ بِالْمَالِ. والثاني: يُعْطَوْنَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ أُعْطُوا قَدْ يُوجَدُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمِنْ أَيْنَ يُعْطَوْنَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: مِنْ الصَّدَقَاتِ؛ لِلْآيَةِ. والثاني: مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ، فَكَانَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ. وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: قَوْمٌ يَلِيهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ إنْ أُعْطُوا قَاتَلُوهُمْ. الضَّرَبُ الرَّابِعُ: قَوْمُ يَلِيهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ إنْ أُعْطُوا جَبُّوا الصَّدَقَاتِ وَفِي هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ. والثاني: مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ الصَّدَقَاتِ؛ لِلْآيَةِ. والثالث: مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَغْزُونَ. وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ وَمِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ، لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا مَعْنَى الْفَرِيقَيْنِ"."
الشرح: حَدِيثُ إعْطَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُؤَلَّفَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم"أَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ وَصَفْوَانُ يَوْمئِذٍ كَافِرٌ، قَالَ صَفْوَانُ: لَقَدْ أَعْطَانِي مَا أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إلَيَّ فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى أَنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ صلى الله عليه وسلم"رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَحَدِيثُ إعْطَاءِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ وَالْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ هَكَذَا، مِنْ رِوَايَةِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
أَمَّا الزِّبْرِقَانُ - فَبِزَايٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ قَافٍ - وَهُوَ أَحَدُ رُؤَسَاءِ الْعَرَبِ وِسَادَاتِ بَنِي تَمِيمٍ، وَالزِّبْرِقَانُ لَقَبٌ لَهُ، وَاسْمُهُ الْحُصَيْنُ بْنُ بَدْرِ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ، كُنْيَتُهُ أَبُو عَيَّاشٍ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ لُقِّبَ بِالزِّبْرِقَانِ لَحُسْنِهِ، وَقِيلَ: لِصُفْرَةِ عِمَامَتِهِ، وَمِنْهُ زَبْرَقْت الثَّوْبَ إذَا صَفَّرْتُهُ، وَكَانَ يَلْبَسُ عِمَامَةً مُزَبْرَقَةً بِالزَّعْفَرَانِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: قَمَرُ نَجْدٍ لِحُسْنِهِ، أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ وَوَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَكْرَمَهُ وَوَلَّاهُ صَدَقَاتِ قَوْمِهِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما وَقَدْ بُسِطَتْ أَحْوَالُهُ فِي التَّهْذِيبِ، وَكَذَلِكَ أَحْوَالُ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ، وَكُلُّهُمْ صَحَابَةٌ رضي الله عنهم وَسُمِّيَ هَذَا الصِّنْفُ مُؤَلَّفَةً؛ لِأَنَّهُمْ يَتَأَلَّفُونَ بِالْعَطَاءِ وَتُسْتَمَالُ بِهِ قُلُوبُهُمْ .
أما أحكام الفصل: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْمُؤَلَّفَةُ ضَرْبَانِ: مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ، وَالْكُفَّارُ صِنْفَانِ: (مَنْ) يُرْجَى إسْلَامُهُ (وَمَنْ) يُخَافُ شَرُّهُ، فَهَؤُلَاءِ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْطِيهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْغَنَائِمِ لَا مِنْ الزَّكَاةِ، وَهَلْ يُعْطَوْنَ1 بَعْدَهُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا:
أحدهما: يُعْطَوْنَ لِلْحَدِيثِ وَأَصَحُّهُمَا: بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْبَغَوِيّ: لَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يعطون: بضم الياء وتسكين العين وفتح الطاء.