فهرس الكتاب
ج / 6 ص -128- الرَّأْي وَمَالِكٌ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُقْضَى دَيْنُ الْمَيِّتِ وَكَفَنُهُ مِنْ الزَّكَاةِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ كَجٍّ بَعْدَ هَذَا بِأَسْطُرٍ: إذَا اسْتَدَانَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ثُمَّ مَاتَ دُفِعَ مَا يُفَكُّ بِهِ تِرْكَتُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَسَهْمٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُمْ الْغُزَاةُ [الَّذِينَ] إذَا نَشِطُوا غَزَوَا، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُرَتَّبًا فِي دِيوَانِ السُّلْطَانِ مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الصَّدَقَةِ بِسَهْمِ الْغُزَاةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَرْزَاقَهُمْ وَكِفَايَتَهُمْ مِنْ الْفَيْءِ، وَيُعْطَى الْغَازِي مَعَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى، لِلْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْغَارِمِ وَيُعْطَى مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْغَزْوِ مِنْ نَفَقَةِ الطَّرِيقِ وَمَا يَشْتَرِي بِهِ السِّلَاحَ وَالْفَرَسَ إنْ كَانَ فَارِسًا، وَمَا يُعْطَى السَّائِسُ وَحَمُولَةٌ تَحْمِلهُ إنْ كَانَ رَاجِلًا وَالْمَسَافَةُ مِمَّا تَقْصُرُ فِيهَا الصَّلَاةُ، فَإِنْ أَخَذَ وَلَمْ يَغْزُ اُسْتُرْجِعَ مِنْهُ".
الشرح: قَوْلُهُ (نَشِطُوا) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الشِّينِ (وَالدِّيوَانُ) بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى الْفَصِيحِ الْمَشْهُورِ. وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَأَنْكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. وَقِيلَ: عَرَبِيٌّ وَهُوَ غَرِيبٌ. (وَالْحَمُولَةُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا مِنْ بَعِيرٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ. وَمَذْهَبُنَا أَنَّ سَهْمَ سَبِيلِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يُصْرَفُ إلَى الْغُزَاةِ الَّذِينَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الدِّيوَانِ بَلْ يَغْزُونَ مُتَطَوِّعِينَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى مُرِيدِ الْحَجِّ، وَرَوَى مِثْلَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه. وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ أُمِّ مَعْقِلٍ الصَّحَابِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ:"لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَصَابَنَا مَرَضٌ فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ جِئْتُهُ فَقَالَ: يَا أُمَّ مَعْقِلٍ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي مَعَنَا؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: لَقَدْ تَهَيَّأْنَا فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ هُوَ الَّذِي نَحُجُّ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"1.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ"أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْحَجَّ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا: أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلَانٍ، قَالَ ذَلِكَ حَبِيسِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَإِنَّهَا سَأَلَتْنِي الْحَجَّ مَعَكَ، قَالَتْ: أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلَانٍ، فَقُلْتُ: ذَلِكَ حَبِيسِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: أَمَا إنَّكَ لَوْ أَحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ وَإِنَّهَا أَمَرَتْنِي أَنْ أَسْأَلَكَ مَا يَعْدِلُ حَجَّةً مَعَكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَقْرِئْهَا السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ وَأَخْبِرْهَا أَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي يَعْنِي عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ"رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ فِي بَابِ الْعُمْرَةِ وَالثَّانِي إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ حَدِيثُ أُمِّ مَعْقِلٍ فَهُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وبقية الخبر في سنن أبي داود"فأما إذا فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمري في رمضان فإنها كحجة"فكانت تقول:"الحج حجة والعمرة عمرة وقد قال لي هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري إلي خاصة؟"ا هـ (ط)