ج / 6 ص -137- آخَرَ قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: إذَا أَخْرَجَ الشَّاةَ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ كَرِهْتُ1 وَأَجْزَأَهُ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّمَا أَجَازَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي [يَقُولُ] : يَجُوزُ نَقْلُ الصَّدَقَةِ، فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُخْرِجَ فِي كُلِّ بَلَدٍ نِصْفَ شَاةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُجْزِئُهُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ فِي إخْرَاجِ نِصْفِ شَاةٍ فِي كُلِّ بَلَدٍ ضَرَرًا فِي التَّشْرِيكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: (كَرِهْتُ وَأَجْزَأَهُ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ كَانَ قَوْلًا وَاحِدًا لَمْ يَقُلْ: كَرِهْتُ. وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْقَلُ إلَيْهِ طَرِيقَانِ مِنْ، أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: الْقَوْلَانِ فِيهِ إذَا نُقِلَ إلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ، فَأَمَّا إذَا نُقِلَ إلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْبَلَدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ [وَالْفِطْرُ] وَالْمَسْحُ. وَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ: الْقَوْلَانِ فِي الْجَمِيعِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ"."
الشرح: حَدِيثُ مُعَاذٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِيهِ: رُوِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ. وَقَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ وَالْمَسْحُ - يَعْنِي الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ - وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي آخِرِ الْحَضَانَةِ وَفِي تَغْرِيبِ الزَّانِي وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي مَظِنَّتِهِ، وَهُمَا بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَبَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَحَاصِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّقَ الزَّكَاةَ فِي بَلَدِ الْمَالِ، فَلَوْ نَقَلَهَا إلَى بَلَدٍ آخَرَ مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّينَ فَلِلشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ. وَلِلْأَصْحَابِ فِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ أصحها عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ أصحهما: لَا يُجْزِئُهُ والثاني: يُجْزِئُهُ. وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ النَّقْلِ. والطريق الثاني: أَنَّهُمَا فِي التَّحْرِيمِ وَعَدَمِهِ أصحهما: يُحَرَّمُ والثاني: لَا يُحَرَّمُ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُجْزِئُ. وَهَذَانِ الطَّرِيقَانِ فِي الْكِتَابِ والثالث: حَكَاهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ أَنَّهُمَا فِي الْجَوَازِ وَالْإِجْزَاءِ مَعًا أصحهما: لَا يَجُوزُ وَلَا يُجْزِئُهُ والثاني: يَجُوزُ وَيُجْزِئُهُ، وَتَعْلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ وَالْأَصَحُّ: مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَطَاوُسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَبِالْإِجْزَاءِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّقْلِ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَدُونِهَا كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَكَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ. فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْخِلَافِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أصحها لَا يُجْزِئُ النَّقْلُ مُطْلَقًا وَلَا تَجُوزُ والثاني: يُجْزِئُ وَيَجُوزُ والثالث: يُجْزِئُ وَلَا يَجُوزُ وَالرَّابِعُ: يُجْزِئُ وَيَجُوزُ لِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَسَوَاءٌ نُقِلَ إلَى قَرْيَةٍ بِقُرْبِ الْبَلَدِ أَمْ بَعِيدَةٍ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْعُدَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الشَّامِلِ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي أَوَّلِ قِسْمِ الصَّدَقَاتِ فِي مَوْضِعِهَا، كَمَا ذَكَرَهَا الْمُزَنِيّ وَالْأَصْحَابُ، وَذَكَرَ فِي النَّقْلِ إلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ الطَّرِيقَيْنِ وَذَكَرَ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ فِي مَسْأَلَةِ أَصْحَابِ الْخِيَامِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بفتح الكاف وكسر الراء وضم التاء (ط) .