ج / 6 ص -149- أَوْجَبُوهَا. والثاني: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الصِّبْيَانَ لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ حِينَئِذٍ، بَلْ كَانُوا قَدْ أَكَلُوا حَاجَتَهُمْ، وأما: الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ فَتَبَرَّعَا بِحَقِّهِمَا، وَكَانَا صَابِرَيْنِ فَرِحَيْنِ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ الثَّنَاءُ عَلَيْهِمَا. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: نَوِّمِي صِبْيَانَكِ، وَغَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ مِمَّا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصِّبْيَانَ كَانُوا جِيَاعًا، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الصِّبْيَانَ لَا يَتْرُكُونَ الْأَكْلَ عِنْدَ حُضُورِ الطَّعَامِ، وَلَوْ كَانُوا شِبَاعًا، فَخَافَ إنْ بَقُوا مُسْتَيْقِظِينَ أَنْ يَطْلُبُوا الْأَكْلَ عِنْدَ حُضُورِ الطَّعَامِ عَلَى الْعَادَةِ فَيُنَكِّدُوا عَلَيْهِمَا، وَعَلَى الضَّيْفِ لِقِلَّةِ الطَّعَامِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا أَرَادَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ، أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لِمَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ: يَكْرَهُ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَرُبَّمَا قِيلَ: يُكْرَهُ هَذَا كَلَامُهُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ الْوَفَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَلَا بَأْسَ بِالصَّدَقَةِ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ، وَإِلَّا فَلَا تَحِلُّ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ الْمُطْلَقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ فَضَلَ عَمَّا يَلْزَمُهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"لِيَتَصَدَّقْ الرَّجُلُ مِنْ دِينَارِهِ، وَلْيَتَصَدَّقْ مِنْ دِرْهَمِهِ، وَلِيَتَصَدَّقْ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، وَلِيَتَصَدَّقْ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ"رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَطْعَمَ جَائِعًا أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَأٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، وَمَنْ كَسَا مُؤْمِنًا عَارِيًّا كَسَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ"وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَجْوَدُ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ"فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَافَةِ اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ؛ لِمَا رَوَى عُمَرُ رضي الله عنه قَالَ:"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقُلْتُ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِكُلِّ مَالِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إلَى شَيْءٍ أَبَدًا"وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَافَةِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه قَالَ:"بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذْ جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مِنْ الذَّهَبِ أَصَابَهَا مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَأَتَاهُ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْسَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُذْهَا صَدَقَةً، فَوَاَللَّهِ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَاتِهَا مُغْضَبًا فَحَذَفَهُ بِهَا حَذْفَةً لَوْ أَصَابَهُ لَأَوْجَعَهُ أَوْ عَقَرَهُ، ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَالِهِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ، وَإِنَّمَا الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى"."
الشرح: أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ"لِيَتَصَدَّقْ الرَّجُلُ مِنْ دِينَارِهِ"إلَى آخِرِهِ، فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِهِ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ وأما: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ، وَحَدِيثُ عُمَرَ رضي