فهرس الكتاب
ج / 6 ص -193- فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ اللَّيْثِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيِّ، وَلَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَدٍ قَبُولَهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ اشْتَبَهَتْ الشُّهُورُ عَلَى أَسِيرٍ لَزِمَهُ أَنْ يَتَحَرَّى وَيَصُومَ، كَمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَحَرَّى فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَفِي الْقِبْلَةِ، فَإِنْ تَحَرَّى وَصَامَ فَوَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، فَإِنْ وَافَقَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ نَاقِصًا وَشَهْرَ رَمَضَانَ الَّذِي صَامَهُ النَّاسُ تَامًّا فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يُجْزِئُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ رحمه الله تعالى لِأَنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ فَصَامَ شَهْرًا نَاقِصًا بِالْأَهِلَّةِ أَجْزَأَهُ والثاني: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ فَاتَهُ صَوْمُ ثَلَاثِينَ، وَقَدْ صَامَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَلَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِنْ وَافَقَ صَوْمُهُ شَهْرًا قَبْلَ رَمَضَانَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِئُهُ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يُجْزِئُهُ كَانَ مَذْهَبُنَا1، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لَا يُجْزِئُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا: فِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تُفْعَلُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ فَرْضُهَا بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْوَقْتِ عِنْدَ الْخَطَأِ، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ وَوَقَفُوا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ والثاني: لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِيمَا يَأْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ فَلَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِمَا فَعَلَهُ، كَمَا لَوْ تَحَرَّى فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْوَقْتِ".
الشَّرْحُ: قَوْلُهُ"عِبَادَةٌ تُفْعَلُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً"احْتِرَازٌ مِنْ الْخَطَأِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَالِاحْتِرَازُ فِي قَوْلِهِ تَعَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِيمَا يَأْمَنُ مِثْلَهُ فِي الْقَضَاءِ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَهَذَا الَّذِي قَاسَهُ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ تَفْرِيعٌ عَلَى الضَّعِيفِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُمْ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُمْ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،
أَمَّا أَحْكَامُ هَذَا الْفَصْلِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: إذَا اشْتَبَهَ رَمَضَانُ عَلَى أَسِيرٍ أَوْ مَحْبُوسٍ فِي مَطْمُورَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ صَامَ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَوَافَقَ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِئْهُ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى إلَى جِهَةٍ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَوَافَقَ أَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَصَلَّى بِلَا اجْتِهَادٍ وَوَافَقَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ بِلَا خِلَافٍ وَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فِي الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ اجْتَهَدَ وَصَامَ فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ الْإِشْكَالُ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ صَادَفَ رَمَضَانَ أَوْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، فَهَذَا يُجْزِئُهُ بِلَا خِلَافٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَعَلَّلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الِاجْتِهَادِ الْإِصَابَةُ،
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُوَافِقَ صَوْمُهُ رَمَضَانَ فَيُجْزِئُهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ فَقَالَ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ صَامَ شَاكًّا فِي الشَّهْرِ، قَالَ: وَدَلِيلُنَا إجْمَاعُ السَّلَفِ قَبْلَهُ، وَقِيَاسًا عَلَى مَنْ اجْتَهَدَ فِي الْقِبْلَةِ وَوَافَقَهَا، وَأَمَّا الشَّكُّ فَإِنَّمَا يَضُرُّ إذَا لَمْ يَعْتَضِدْ بِاجْتِهَادٍ بِدَلِيلِ الْقِبْلَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ش و ق (كان مذهبا) (ط) .