فهرس الكتاب
ج / 6 ص -194- الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوَافِقَ صَوْمُهُ مَا بَعْدَ رَمَضَانَ فَيُجْزِئُهُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ صَامَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ بَعْدَ وُجُوبِهِ، وَلَا يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الصَّلَاةِ، وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَلَكِنْ هَلْ يَكُونُ هَذَا الصَّوْمُ قَضَاءً أَمْ أَدَاءً؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَحَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ قَوْلَيْنِ أصحهما: قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خَارِجُ وَقْتِهِ، وَهَذَا شَأْنُ الْقَضَاءِ.
وَالثَّانِي: أَدَاءً لِلضَّرُورَةِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ نَاقِصًا وَكَانَ رَمَضَانُ تَامًّا، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ قُلْنَا: قَضَاءً لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ آخَرَ، وَإِنْ قُلْنَا: أَدَاءً فَلَا يَلْزَمُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ رَمَضَانُ نَاقِصًا وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى التَّفْرِيعِ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ، وَصَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ، وَقَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَصَامَ شَهْرًا تَامًّا وَكَانَ رَمَضَانُ نَاقِصًا، فَإِنْ قُلْنَا: قَضَاءً فَلَهُ إفْطَارُ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ وَرَمَضَانُ تَامَّيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ أَجْزَأَهُ بِلَا خِلَافٍ، هَذَا كُلُّهُ إذَا وَافَقَ غَيْرَ شَوَّالٍ وَذِي الْحِجَّةِ، فَإِنْ وَافَقَ شَوَّالًا حَصَلَ مِنْهُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا إنْ كَمُلَ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا إنْ نَقَصَ، لِأَنَّ صَوْمَ الْعِيدِ لَا يَصِحُّ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ قَضَاءً وَكَانَ رَمَضَانُ نَاقِصًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ تَمَّ شَوَّالٌ، وَيَقْضِي يَوْمًا إنْ نَقَصَ بَدَلَ الْعِيدِ، وَإِنْ كَانَ رَمَضَانُ تَامًّا قَضَى يَوْمًا إنْ تَمَّ شَوَّالٌ وَإِلَّا فَيَوْمَيْنِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ أَدَاءً لَزِمَهُ قَضَاءُ يَوْمٍ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ بَدَلَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَإِنْ وَافَقَ ذَا الْحِجَّةِ حَصَلَ مِنْهُ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا إنْ تَمَّ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا إنْ نَقَصَ، لِأَنَّ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا، الْعِيدُ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ قَضَاءً وَكَانَ رَمَضَانُ نَاقِصًا قَضَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إنْ تَمَّ ذُو الْحِجَّةِ وَإِلَّا فَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ رَمَضَانُ تَامًّا قَضَى أَرْبَعَةً إنْ تَمَّ ذُو الْحِجَّةِ وَإِلَّا فَخَمْسَةً، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ أَدَاءً قَضَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ بِكُلِّ حَالٍ، هَكَذَا ذَكَرَ الْأَصْحَابُ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا، فَإِنْ صَحَّحْنَاهَا لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ فَذُو الْحِجَّةِ كَشَوَّالٍ كَمَا سَبَقَ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يُصَادِفَ صَوْمُهُ مَا قَبْلَ رَمَضَانَ فَيُنْظَرُ إنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ بَعْدَ بَيَانِ الْحَالِ لَزِمَهُ صَوْمُهُ بِلَا خِلَافٍ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبِنْ الْحَالُ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ رَمَضَانَ فَطَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أحدهما: الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَأَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا فِيهِ قَوْلَانِ أصحهما: وُجُوبُ الْقَضَاءِ والثاني: لَا قَضَاءَ، قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ: هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَادَفَ مَا بَعْدَ رَمَضَانَ هَلْ هُوَ أَدَاءٌ أَمْ قَضَاءٌ؟ إنْ قُلْنَا: أَدَاءٌ لِلضَّرُورَةِ أَجْزَأَهُ هُنَا وَلَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا جُعِلَ أَدَاءً بَعْدَ وَقْتِهِ لِلضَّرُورَةِ كَذَا قَبْلَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: قَضَاءٌ، لَمْ يُجْزِئْهُ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَكُونُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَضَاءٌ، فَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ هُنَا، وَهَذَا الْبِنَاءُ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ جَعَلَ الْخِلَافَ فِي الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ قَوْلَيْنِ،
وَأَمَّا مَنْ حَكَاهُ وَجْهَيْنِ فَلَا يَصِحُّ بِنَاءُ قَوْلَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ صَامَ شَهْرًا ثُمَّ بَانَ لَهُ الْحَالُ فِي بَعْضِ رَمَضَانَ لَزِمَهُ صِيَامُ مَا أَدْرَكَهُ مِنْ رَمَضَانَ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي قَضَاءِ الْمَاضِي مِنْهُ طَرِيقَانِ أحدهما: الْقَطْعُ بِوُجُوبِهِ وَأَصَحُّهُمَا: وَأَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقَيْنِ فِيمَا إذَا بَانَ لَهُ بَعْدَ مُضِيِّ جَمِيعِ رَمَضَانَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.