فهرس الكتاب

الصفحة 2215 من 4102

ج / 6 ص -195- فرع: إذَا صَامَ الْأَسِيرُ وَنَحْوُهُ بِالِاجْتِهَادِ فَصَادَفَ صَوْمُهُ اللَّيْلَ دُونَ النَّهَارِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتًا لِلصَّوْمِ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ كَيَوْمِ الْعِيدِ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ.

فرع: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي قِيَاسِهِ أَنَّهُ لَوْ تَحَرَّى فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَصَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ - يَعْنِي قَوْلًا وَاحِدًا - وَلَا يَكُونُ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الصَّوْمِ إذَا صَادَفَ مَا قَبْلَ رَمَضَانَ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقَتِهِ وَطَرِيقَةِ مَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفِي بَابِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ. وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ الْخِلَافَ فِي الْمُجْتَهِدِ فِي الْأَوَانِي إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ النَّجَسِ وَصَلَّى، هَلْ تَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؟ وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْخِلَافُ فِي تَيَقُّنِ الْخَطَأِ فِي الْقِبْلَةِ، وَفِي الصَّلَاةِ بِنَجَاسَةٍ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، أَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رِحْلَةٍ وَتَيَمَّمَ أَوْ نَسِيَ تَرْتِيبَ الْوُضُوءِ، أَوْ نَسِيَ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ صَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ لِسَوَادٍ رَأَوْهُ فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ عَدُوًّا أَوْ بَانَ بَيْنَهُمْ خَنْدَقٌ، أَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ فَبَانَ غَنِيًّا، أَوْ أَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مَعْضُوبًا فَبَرِئَ، أَوْ غَلِطُوا وَوَقَفُوا بِعَرَفَاتٍ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، وَفِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ خِلَافٌ بَعْضُهُ كَبَعْضٍ، وَبَعْضُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى بَعْضٍ أَوْ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَكُلُّ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مُقَرَّرَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا مَبْسُوطَةٌ، وَقَدْ سَبَقَتْ مَجْمُوعَةً أَيْضًا فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَسِيرَ وَنَحْوَهُ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ شُهُورٌ يَتَحَرَّى وَيَصُومُ بِمَا يَظْهَرُ بِالْعَلَامَةِ أَنَّهُ رَمَضَانُ، فَلَوْ تَحَرَّى فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَصُومَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْمِينِ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ كَالْمُصَلِّي إذَا لَمْ تَظْهَرْ الْقِبْلَةُ بِالِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَيَقْضِي، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: هَذَا عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ دُخُولَ رَمَضَانَ بِيَقِينٍ وَلَا ظَنٍّ لَا يَلْزَمُهُ الصِّيَامُ، كَمَنْ شَكَّ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، هَذَا كَلَامُ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ: أحدهما: قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ،

والثاني: قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ: لَا يُؤْمَرُ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ دُخُولَ الْوَقْتِ وَلَا ظَنَّهُ فَلَمْ يُؤْمَرْ، بِهِ كَمَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّهُ تَحَقَّقَ دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا عَجَزَ عَنْ شَرْطِهَا فَأُمِرَ بِالصَّلَاةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ، وَلَعَلَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ أَرَادَ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ رَمَضَانَ قَدْ جَاءَ أَوْ مَضَى وَلَمْ يَعْلَمْ وَلَا ظَنَّ عَيْنَهُ، لَكِنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا لَكَانَ يَصُومُ وَلَا يَقْضِي؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ صَوْمُهُ فِي رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: لَوْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ بِالِاجْتِهَادِ فَأَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ صَادَفَ رَمَضَانَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ الثَّابِتَ بِنَوْعِ دَلَالَةٍ، فَأَشْبَهَ مَنْ وَطِئَ بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي بِالشَّهْرِ بِقَوْلِ عَدْلٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ صَادَفَ شَهْرًا غَيْرَهُ فَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ وَلَمْ يُصَادِفْ رَمَضَانَ وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَوَلَّيْ.

َفرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صِيَامِ الْأَسِيرِ بِالِاجْتِهَادِ

ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إنْ صَادَفَ صَوْمُهُ رَمَضَانَ أَوْ مَا بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ صَادَفَ مَا قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَخَالَفَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ فَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ، وَإِنْ صَادَفَ رَمَضَانَ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَسَبَقَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ صَامَ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَرْضِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ.

فرع: إذَا لَمْ يَعْرِفْ الْأَسِيرُ وَنَحْوُهُ اللَّيْلَ وَلَا النَّهَارَ، بَلْ اسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ الظُّلْمَةُ دَائِمًا فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ قَلَّ مَنْ ذَكَرَهَا، وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ لِلْأَصْحَابِ،

أَحَدُهَا: يَصُومُ وَيَقْضِي؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ والثاني: لَا يَصُومُ لِأَنَّ الْجَزْمَ بِالنِّيَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ جَهَالَةِ الْوَقْتِ والثالث: يَتَحَرَّى وَيَصُومُ وَلَا يَقْضِي كَيَوْمِ الْغَيْمِ فِي الصَّلَاةِ قلت: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّحَرِّي وَالصَّوْمُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيمَا بَعْدُ الْخَطَأُ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَادَفَ اللَّيْلَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ بِلَا خِلَافٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الصِّيَامِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالصَّلَاةِ، وَتَجِبُ النِّيَّةُ لِكُلِّ يَوْمٍ، لِأَنَّ صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ، الْفَجْرِ وَيَخْرُجُ وَقْتُهَا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ مَا قَبْلَهُ، وَلَا بِفَسَادِ مَا بَعْدَهُ، فَلَمْ تَكْفِهِ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ كَالصَّلَوَاتِ، وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ [إلا] بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ، لِمَا رَوَتْ حَفْصَةُ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ"وَهَلْ تَجُوزُ نِيَّتُهُ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (مِنْ) أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَجَازَتْ بِنِيَّةٍ تُقَارِنُ ابْتِدَاءَهَا كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ؛ لِحَدِيثِ حَفْصَةَ رضي الله عنها وَلِأَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الصَّوْمِ يَخْفَى، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَإِذَا قُلْنَا بِهَذَا فَهَلْ تَجُوزُ النِّيَّةُ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (مِنْ) أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا تَجُوزُ النِّيَّةُ إلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي، قِيَاسًا عَلَى أَذَانِ الصُّبْحِ وَالدَّفْعِ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ؛ لِحَدِيثِ حَفْصَةَ، وَلِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا النِّيَّةَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي ضَاقَ عَلَى النَّاسِ ذَلِكَ وَشَقَّ، وَإِنْ نَوَى بِاللَّيْلِ ثُمَّ أَكَلَ أَوْ جَامَعَ لَمْ تَبْطُلْ نِيَّتُهُ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ يُنَافِي الصَّوْمَ فَأَبْطَلَ النِّيَّةَ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَقِيلَ: إنَّ أَبَا إِسْحَاقَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ الْأَكْلَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَوْ كَانَ الْأَكْلُ يُبْطِلُ النِّيَّةَ لَمَا جَازَ أَنْ يَأْكُلَ إلَى الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ النِّيَّةَ".

الشرح: حَدِيثُ"إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ، وَحَدِيثُ حَفْصَةَ رضي الله عنها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ كَثِيرَةِ الِاخْتِلَافِ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَوْقُوفًا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ وَإِسْنَادُهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت