فهرس الكتاب

الصفحة 2216 من 4102

ج / 6 ص -196- صَحِيحٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الطُّرُقِ، فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ بَعْضِ طُرُقِهِ ضَعِيفًا أَوْ مَوْقُوفَةً، فَإِنَّ الثِّقَةَ الْوَاصِلَ لَهُ مَرْفُوعًا مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ، فَيَجِبُ قَبُولُهَا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ مَرَّاتٍ، وَأَكْثَرُ الْحُفَّاظِ رِوَايَةً لِطُرُقِهِ الْمُخْتَلِفَةِ النَّسَائِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيَّ، وَذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ فِي طُرُقٍ كَثِيرَةٍ مَوْقُوفًا عَلَى حَفْصَةَ، وَفِي بَعْضِهَا مَوْقُوفًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَفِي بَعْضِهَا عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفَهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ [مِنْ] قَوْلِهِ وَهُوَ أَصَحُّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ قَدْ اخْتَلَفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي إسْنَادِهِ وَفِي رَفْعِهِ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَقَامَ إسْنَادَهُ وَرَفَعَهُ، وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ"قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ قلت: وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ يُحْتَجُّ بِهِ اعْتِمَادًا عَلَى رِوَايَةِ الثِّقَاتِ الرَّافِعِينَ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ"يُبَيِّتُ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ"وَفِي بَعْضِهَا يُجْمِعَ وَيُجَمِّعُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَكُلُّهُ بِمَعْنًى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وأما: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَاحْتِرَازٌ مِنْ الْعِدَّةِ وَالْكِتَابَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَنَحْوِهَا،

أما أحكام الفصل: فَفِيهِ مَسَائِلُ:

إحداها: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، فَلَا يَصِحُّ صَوْمٌ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا بِنِيَّةٍ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ وَلَا يُشْتَرَطُ نُطْقُ اللِّسَانِ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَكْفِي عَنْ نِيَّةِ الْقَلْبِ بِلَا خِلَافٍ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ مَعَ الْقَلْبِ كَمَا سَبَقَ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ

الثانية: تَجِبُ النِّيَّةُ كُلَّ يَوْمٍ، سَوَاءٌ رَمَضَانُ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، فَلَوْ نَوَى فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ الشَّهْرِ كُلِّهِ لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ النِّيَّةُ لِغَيْرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهَلْ تَصِحُّ لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهَا لَهُ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ وَغَيْرُهُ، وَتَرَدَّدَ فِيهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ مِنْ حَيْثُ إنَّ النِّيَّةَ قَدْ فَسَدَ بَعْضُهَا.

الثالثة: تَبْيِيتُ النِّيَّةِ شَرْطٌ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ، وَلَا الْقَضَاءُ، وَلَا الْكَفَّارَةُ، وَلَا صَوْمُ فِدْيَةُ الْحَجِّ وَغَيْرُهَا مِنْ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي صَوْمِ النَّذْرِ طَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْمُخْتَصَرِ: لَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ. والثاني: فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَسْلُكُ بِهِ فِي الصِّفَاتِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ؟ أَمْ جَائِزِهِ وَمَنْدُوبِهِ إنْ قُلْنَا: كَوَاجِبٍ، لَمْ يَصِحَّ بِنِيَّةِ النَّهَارِ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ كَالنَّفْلِ وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الطَّرِيقَ الْمُتَوَلِّي هُنَا وَالْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي كِتَابِ النَّذْرِ، وَالْمَذْهَبُ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَاقِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ فِي النَّذْرِ، هَلْ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ؟ أَمْ الْمَنْدُوبِ؟ بِأَنَّ الْحَدِيثَ هُنَا عَامٌّ فِي اشْتِرَاطِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ لِلصَّوْمِ خُصَّ مِنْهُ النَّفَلُ بِدَلِيلٍ، وَبَقِيَ النَّذْرُ عَلَى الْعُمُومِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت