فهرس الكتاب
ج / 6 ص -198- الصَّوَابُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، إلَّا مَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرُونَ، بَلْ الْأَكْثَرُونَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تَبْطُلُ نِيَّتُهُ بِالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُنَافِيَاتِ، وَيَجِبُ تَجْدِيدُهَا فَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْهَا فِي اللَّيْلِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، قَالَ وَكَذَا لَوْ نَوَى وَنَامَ ثُمَّ انْتَبَهَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَزِمَهُ تَجْدِيدُهَا، فَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْهَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، وَلَوْ اسْتَمَرَّ نَوْمُهُ إلَى الْفَجْرِ لَمْ يَضُرَّهُ وَصَحَّ صَوْمُهُ. وَهَذَا الْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ غَلَطٌ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ:"وَقِيلَ: إنَّ أَبَا إِسْحَاقَ رَجَعَ عَنْهُ"وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ:"هَذَا النَّقْلُ لَا يَصِحُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ"وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ:"رَجَعَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ هَذَا عَامَ حَجَّ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ"وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ:"هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ غَلَطٌ"قَالَ: وَحَكَى أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيَّ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا، قَالَ،"هَذَا خِلَافُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ"قَالَ، وَيُسْتَتَابُ أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا. وَقَالَ الدَّارِمِيُّ حَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَازِمِيِّ أَنَّهُ حَكَى لِلْإِصْطَخْرِيِّ قَوْلَ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا، فَقَالَ: خَرَقَ الْإِجْمَاعَ، حَكَاهُ الْحَازِمِيُّ لِأَبِي إِسْحَاقَ بِحَضْرَةِ ابْنِ الْقَطَّانِ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: فَلَعَلَّهُ رَجَعَ، فَحَصَلَ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُبْطَلُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَفِي كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ تَرَدُّدٌ فِي أَنَّ الْغَفْلَةَ هَلْ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النَّوْمِ؟ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَذَكَّرَ بَعْدَهَا يَجِبُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْسُوبِ إلَى أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: وَالْمَذْهَبُ اطِّرَاحُ كُلِّ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ،.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَأَمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ كَالْفَرْضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَصْبَحَ الْيَوْمَ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ تُطْعِمُونَ؟ فَقَالَتْ: لَا، فَقَالَ: إنِّي إذَنْ صَائِمٌ"وَيُخَالِفُ الْفَرْضَ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ أَخَفُّ مِنْ الْفَرْضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ الصِّيَامِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْفَرْضِ، وَهَلْ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الزَّوَالِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ:"
رَوَى حَرْمَلَةُ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ النَّهَارِ، فَجَازَتْ نِيَّةُ النَّفْلِ فِيهِ، كَالنِّصْفِ الْأَوَّلِ وَقَالَ:فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَصْحَبْ مُعْظَمَ الْعِبَادَةِ فَأَشْبَهَ إذَا نَوَى مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَيُخَالِفُ النِّصْفَ الْأَوَّلَ، فَإِنَّ النِّيَّةَ هُنَاكَ صَحِبَتْ مُعْظَمَ الْعِبَادَةِ وَمُعْظَمُ الشَّيْءِ يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ كُلِّ الشَّيْءِ، وَلِهَذَا لَوْ أَدْرَكَ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ مَعَ الْإِمَامِ جُعِلَ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ، وَلَوْ أَدْرَكَ دُونَ الْمُعْظَمِ لَمْ يُجْعَلْ مُدْرِكًا لَهَا، فَإِنْ صَامَ التَّطَوُّعَ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ فَهَلْ يَكُونُ صَائِمًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَمْ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَكُونُ صَائِمًا مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، فَلَمْ يُجْعَلْ صَائِمًا فِيهِ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَائِمًا مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ لَمْ يَضُرَّهُ الْأَكْلُ قَبْلَهَا"."
الشَّرْحُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ قَالَتْ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ: يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ"هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ قَالَ صلى الله عليه وسلم:"إذَنْ أَصُومُ"وَقَوْلُه صلى الله عليه وسلم:"إذَنْ أَصُومُ"مَعْنَاهُ أَبْتَدِئُ نِيَّةَ الصِّيَامِ، هَذَا مُقْتَضَاهُ، وَسَأَذْكُرُ بَاقِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِمَعْنَاهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.