فهرس الكتاب

الصفحة 2219 من 4102

ج / 6 ص -199- أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يَصِحُّ صَوْمُ النَّفْلِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَشَذَّ عَنْ الْأَصْحَابِ الْمُزَنِيّ وَأَبُو يَحْيَى الْبَلْخِيُّ فَقَالَا: لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ وَالْوَجْهِ فِي الْكِتَابِ، وَهَلْ تَصِحُّ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الزَّوَالِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أصحهما: بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي مُعْظَمِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ، وَفِي الْقَدِيمِ: لَا يَصِحُّ وَنَصَّ فِي كِتَابَيْنِ مِنْ الْجَدِيدِ عَلَى صِحَّتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي حَرْمَلَةَ، وَفِي كِتَابِ اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ كُتُبِ الْأُمِّ.

قَالَ أَصْحَابُنَا: وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ فِي جَمِيعِ سَاعَاتِ النَّهَارِ، وَفِي آخِرِ سَاعَةٍ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَّصِلَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالنِّيَّةِ، بَلْ يَبْقَى بَيْنَهُمَا زَمَنٌ وَلَوْ أَدْنَى لَحْظَةً، صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ إذَا نَوَى قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَصَحَّحْنَاهُ، فَهَلْ هُوَ صَائِمٌ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ فَقَطْ، وَلَا يُحْسَبُ لَهُ ثَوَابُ مَا قَبْلَهُ؟ أَمْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيُثَابُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أصحهما: عِنْدَ الْأَصْحَابِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُتَوَلِّي: الْوَجْهُ الْقَائِلُ: يُثَابُ مِنْ حِينِ النِّيَّةِ، هُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ: هُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ، قَالُوا وَقَوْلُهُ"لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْعِبَادَةَ قَبْلَ النِّيَّةِ"لَا أَثَرَ لَهُ، فَقَدْ يُدْرِكُ بَعْضَ الْعِبَادَةِ وَيُثَابُ كَالْمَسْبُوقِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابَ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَبِهَذَا رَدُّوا عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَنْ نَوَى الْوُضُوءَ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَلَمْ يَنْوِ قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَنْفَصِلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ وَلَوْ حُذِفَتْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْهُ صَحَّ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ،

قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ قُلْنَا: يُثَابُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، اُشْتُرِطَتْ جَمِيعُ شُرُوطِ الصَّوْمِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَإِنْ كَانَ أَكَلَ أَوْ جَامَعَ أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُنَافِيَاتِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: يُثَابُ مِنْ أَوَّلِ النِّيَّةِ فَفِي اشْتِرَاطِ خُلُوِّ أَوَّلِ النَّهَارِ عَنْ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ أصحهما: الِاشْتِرَاطُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ والثاني: لَا يُشْتَرَطُ، فَلَوْ كَانَ أَكَلَ أَوْ جَامَعَ أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفِيَّاتِ ثُمَّ نَوَى صَحَّ صَوْمُهُ وَيُثَابُ مِنْ حِينِ النِّيَّةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَالشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ. وَحَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَجْهًا مُخَرَّجًا، قَالَا: وَالْمُخَرِّجُ لَهُ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَحَكَاهُ الْمُتَوَلِّي: عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ طَلْحَةَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهم، وَمَا أَظُنُّهُ صَحِيحًا عَنْهُمْ،

فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِمْسَاكَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ شَرْطٌ، فَلَوْ كَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ كَافِرًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ حَائِضًا ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَنَوَى صَوْمَ التَّطَوُّعِ فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ أصحهما: لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلصَّوْمِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت