فهرس الكتاب
ج / 6 ص -200- قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ: الْوَجْهَانِ فِي وَقْتِ ثَوَابِ الصَّائِمِ هُنَا، مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ زَيْدٍ فَقَدِمَ نَحْوَهُ وَهُوَ صَائِمٌ هَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ نَذْرِهِ؟ إنْ قُلْنَا: يُجْزِئُهُ حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ هُنَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَإِلَّا فَمِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ،.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ صَائِمٌ مِنْ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ فَرِيضَةٌ وَهُوَ قُرْبَةٌ مُضَافَةٌ إلَى وَقْتِهَا فَوَجَبَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ فِي نِيَّتِهَا كَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الْفَرْضِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ فَرْضِ رَمَضَانَ، لِأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ قَدْ يَكُونُ نَفْلًا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةِ الْفَرْضِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ صَوْمِ الصَّبِيِّ، وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَفْتَقِرُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ رَمَضَانَ فِي حَقِّ الْبَالِغِ لَا يَكُونُ إلَّا فَرْضًا فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى تَعْيِينِ الْفَرْضِ فَإِنْ نَوَى فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: إنْ كَانَ غَدٌ مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ عَنْ رَمَضَانَ أَوْ عَنْ تَطَوُّعٍ فَكَانَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَصِحَّ لِعِلَّتَيْنِ إحداهما: أَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ النِّيَّةَ لِرَمَضَانَ وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ رَمَضَانَ [وَلِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي دُخُولِ وَقْتِ الْعِبَادَةِ فَلَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ] 1 وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ غَدٌ مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ عَنْ رَمَضَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ عَنْ تَطَوُّعٍ لَمْ يَصِحَّ لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَلَا تَصِحُّ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ، فَإِنْ قَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ: إنْ [كَانَ] غَدٌ مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ عَنْ رَمَضَانَ أَوْ الْفِطْرِ، فَكَانَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ النِّيَّةَ لِلصَّوْمِ وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ غَدٌ مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ عَنْ رَمَضَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا مُفْطِرٌ، فَكَانَ مِنْ رَمَضَانَ صَحَّ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْلَصَ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ وَبَنَى عَلَى أَصْلٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ".
الشرح: قَوْلُهُ: قُرْبَةٌ مُضَافَةٌ إلَى وَقْتِهَا احْتِرَازٌ مِنْ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَعْيِينُهَا عَنْ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا،
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهِ مَسَائِلُ إحداها: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: لَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَلَا قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ وَلَا نَذْرٌ وَلَا فِدْيَةُ حَجٍّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ، لِأَنَّ أَصْلَ النِّيَّةِ فُهِمَ اشْتِرَاطُهُ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ"إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"وَاسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ إلَّا الْمُتَوَلِّي فَحَكَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ. وَهَذَا الْوَجْهُ شَاذٌّ مَرْدُودٌ.
الثانية: صِفَةُ النِّيَّةِ الْكَامِلَةِ الْمُجْزِئَةِ بِلَا خِلَافٍ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ صَوْمَ غَدٍ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفين ساقط من ش و ق (ط) .