فهرس الكتاب
ج / 6 ص -201- هَذِهِ السَّنَةَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَكَذَا رَمَضَانُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ إلَّا وَجْهَ الْحَلِيمِيِّ السَّابِقَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَأَمَّا الْأَدَاءُ وَالْفَرِيضَةُ فَفِيهِمَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ سَبَقَ مُوَضَّحًا بِدَلِيلِهِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا وَهُنَاكَ أَنَّ الْأَدَاءَ لَا يُشْتَرَطُ، وَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَاخْتَلَفُوا فِي الْأَصَحِّ هُنَاكَ وَهُنَا، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ هُنَاكَ الِاشْتِرَاطُ وَالْأَصَحُّ هُنَا أَيْضًا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ، الِاشْتِرَاطُ وَالْأَصَحُّ هُنَا عِنْدَ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَصَاحِبِ الشَّامِلِ وَالْأَكْثَرِينَ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ مِنْ الْبَالِغِ لَا يَكُونُ إلَّا فَرْضًا، وَصَلَاةَ الظُّهْرِ مِنْ الْبَالِغِ قَدْ تَكُونُ نَفْلًا فِي حَقِّ مَنْ صَلَّاهَا ثَانِيًا فِي جَمَاعَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَأَمَّا الْإِضَافَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ أَنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ، ذَكَرَهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ أصحهما: لَا تَجِبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَأَمَّا التَّقْيِيدُ بِهَذِهِ السَّنَةِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَآخَرُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهًا فِي اشْتِرَاطِهِ وَغَلَّطُوا قَائِلَهُ، وَحَكَى الْبَغَوِيّ وَجْهًا فِي اشْتِرَاطِ فَرْضِ هَذَا الشَّهْرِ، وَهُوَ بِمَعْنَى فَرْضِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ أَيْضًا غَلَطٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ: إذَا نَوَى يَوْمًا وَأَخْطَأَ فِي وَصْفِهِ لَا يَضُرُّهُ مِثَالُهُ: نَوَى لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ صَوْمَ الْغَدِ، وَهُوَ يَعْتَقِدُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، أَوْ نَوَى صَوْمَ غَدٍ مِنْ رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ وَهُوَ يَعْتَقِدُهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ فَكَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ صَحَّ صَوْمُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ صَوْمَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ، أَوْ نَوَى وَهُوَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ صَوْمَ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الْوَقْتَ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ كَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالدَّارِمِيُّ، لَكِنْ قَالَ الدَّارِمِيُّ: لَوْ نَوَى صَوْمَ غَدٍ يَوْمَ الْأَحَدِ وَهُوَ غَيْرُهُ فَوَجْهَانِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الشَّامِلِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
فرع: قَالَ الرَّافِعِيُّ: اشْتِرَاطُ الْغَدِ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي تَفْسِيرِ التَّعْيِينِ، قَالَ: وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ مِنْ حَدِّ التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ نَظَرِهِمْ إلَى التَّبْيِيتِ،
فرع: حُكْمُ التَّعْيِينِ فِي صَوْمِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ، لَكِنْ لَوْ عَيَّنَ وَأَخْطَأَ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَسَيَأْتِي فِي الْكَفَّارَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إيضَاحُهُ، وَسَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَى شَيْءٍ مِنْهُ فِي بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ، وَأَمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ فَيَصْحُ بِنِيَّةِ مُطْلَقِ الصَّوْمِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ التَّعْيِينُ فِي الصَّوْمِ الْمُرَتَّبِ كَصَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَأَيَّامِ الْبِيضِ وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ وَنَحْوِهَا، كَمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الرَّوَاتِبِ مِنْ نَوَافِلِ الصَّلَاةِ.
الثالثة: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ جَازِمَةً، فَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ صَوْمَ غَدٍ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَهُ حَالَانِ أحدهما: أَنْ لَا يَعْتَقِدَ كَوْنَهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنْ رَدَّدَ نِيَّتَهُ فَقَالَ: أَصُومُ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ أَوْ مُتَطَوِّعٌ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ رَمَضَانَ إذَا بَانَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ صَامَ شَاكًّا وَلَمْ يَكُنْ عَلَى أَصْلٍ يَسْتَصْحِبُهُ وَلَا ظَنٍّ يَعْتَمِدُهُ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ: يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ، وَلَوْ قَالَ: أَصُومُ غَدًا عَنْ رَمَضَانَ أَوْ تَطَوُّعًا لَمْ يُجْزِئْهُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ لَمْ يُرَدِّدْ نِيَّتَهُ بَلْ جَزَمَ بِالصَّوْمِ عَنْ رَمَضَانَ لَمْ يَصِحَّ