فهرس الكتاب
ج / 6 ص -216- فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِهِمْ فِيمَنْ أَوْلَجَ ثُمَّ نَزَعَ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ وَزُفَرُ وَدَاوُد: يَبْطُلُ صَوْمُهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أَنَّهُ يُفْطِرُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي رِوَايَةٍ: يَصِحُّ صَوْمُهُ وَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ دَلِيلُ الْمَذْهَبَيْنِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما:"كَانَ إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَالرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يَصُومَ إذَا أَرَادَ الصِّيَامَ قَامَ وَاغْتَسَلَ وَأَتَمَّ صِيَامَهُ".
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَلْيَلْفِظْهُ وَيُتِمَّ صَوْمُهُ، فَإِنْ ابْتَلَعَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْفَجْرِ بَطَلَ صَوْمُهُ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَفِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ بِمَعْنَاهُ،
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ"إذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ"وَفِي رِوَايَةٍ"وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ إذَا بَزَغَ الْفَجْرُ"فَرَوَى الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرِّوَايَةَ الْأُولَى، وَقَالَ: هَذَا صَحِيحٌ1 عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عِنْدَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَلِمَ أَنَّهُ يُنَادَى قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِحَيْثُ يَقَعُ شُرْبُهُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ: وَقَوْلُهُ: (إذَا بَزَغَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ مَنْ دُونَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ يَكُونَ خَبَرًا مِنْ الْأَذَانِ الثَّانِي، وَيَكُونُ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"إذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ"خَبَرًا عَنْ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهم قَالَ: وَعَلَى هَذَا تَتَّفِقُ الْأَخْبَارُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: من الآية187] فَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلصَّوْمِ، عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهِ مُخْتَارٌ بَطَلَ صَوْمُهُ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ [فَبَطَلَ] وَإِنْ اسْتَعَطَ أَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي أُذُنِهِ فَوَصَلَ، إلَى دِمَاغِهِ بَطَلَ صَوْمُهُ، لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"إذَا اسْتَنْشَقْتَ فَأَبْلِغْ الْوُضُوءَ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا"فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى الدِّمَاغِ شَيْءٌ بَطَلَ صَوْمُهُ، وَلِأَنَّ الدِّمَاغَ أَحَدُ الْجَوْفَيْنِ فَبَطَلَ الصَّوْمُ بِالْوَاصِلِ إلَيْهِ كَالْبَطْنِ وَإِنْ احْتَقَنَ بَطَلَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَطَلَ بِمَا يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ بِالسُّعُوطِ فَلَأَنْ يَبْطُلَ بِمَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ بِالْحُقْنَةِ أَوْلَى"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رواية الحاكم هكذا: حدثنا أبو النضر الفقيه ثنا الحسن بن سفيان ثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي هريرة ثم قال بعد أن ساق الحديث: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . قلت: ورجال مسلم في هذا الإسناد من حماد بن سلمة إلى أبي هريرة وقد أقر الذهبي في التلخيص الحاكم في تصحيحه ولم يورده ابن تيمية في المنتقى (ط) .