فهرس الكتاب

الصفحة 2248 من 4102

ج / 6 ص -228- لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه"وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ"فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا حَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْقَضَاءُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَضَافَ أَكَلَ النَّاسِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَسْقَطَ بِهِ الْقَضَاءَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا حَصَلَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّى أَكَلَ بِنَفْسِهِ، أَوْ أُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ حَتَّى مُكِّنَتْ مِنْ الْوَطْءِ فَوَطِئَهَا، فَفِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: يَبْطُلُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ لَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلصَّوْمِ فَبَطَلَ صَوْمُهُ، كَمَا لَوْ أَكَلَ لِخَوْفِ الْمَرَضِ أَوْ شَرِبَ لَدَفْعِ الْعَطَشِ. والثاني: لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَأَشْبَهَ إذَا أُوجِرَ فِي حَلْقِهِ"."

الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ"مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ"سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَيْءِ، وَحَدِيثُهُ الْأَوَّلُ"مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا"إلَى آخِرِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِلَفْظِهِ الَّذِي هُنَا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذَا نَسِيَ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ"وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ"مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ"وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ"رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَوْ حَسَنٍ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ شَدَّ امْرَأَتَهُ، لَوْ قَالَ: امْرَأَةً، لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَعَمَّ،

أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهِ مَسَائِلُ:

إحداها: إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ تَقَايَأَ أَوْ اسْتَعَطَ أَوْ جَامَعَ أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مُنَافِيَاتِ الصَّوْمِ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ عِنْدَنَا، سَوَاءٌ قَلَّ ذَلِكَ أَمْ كَثُرَ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِي أَكْلِ النَّاسِي إذَا كَثُرَ وَجْهَيْنِ كَكَلَامِ النَّاسِي فِي الصَّلَاةِ إذَا كَثُرَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ هُنَا وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَمِرُّ بِهِ النِّسْيَانُ حَتَّى يَأْكُلَ كَثِيرًا، وَيَنْدُرُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ.

وَذَكَرَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِي جِمَاعِ النَّاسِي طَرِيقَيْنِ أصحهما: مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ؛ لِلْأَحَادِيثِ. والثاني: عَلَى قَوْلَيْنِ كَجِمَاعِ الْمُحْرِمِ نَاسِيًا. أصحهما: لَا يُفْطِرُ والثاني: يُفْطِرُ، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْ الْحَجِّ لَيْسَ مَنْصُوصًا، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ أَحْمَدُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ قَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ جِمَاعِ النَّاسِي فِي الْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَهُ هَيْئَةٌ يَتَذَكَّرُ بِهَا ، فَإِذَا نَسِيَ كَانَ مُقَصِّرًا بِخِلَافِ الصَّائِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ نَاسِيًا

ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمُنَافِيَاتِ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ: يَجِبُ قَضَاؤُهُ فِي الْجِمَاعِ نَاسِيًا دُونَ الْأَكْلِ، وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ: يَفْسُدُ صَوْمُ النَّاسِي فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجِبُ بِالْجِمَاعِ نَاسِيًا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَلَا شَيْءَ فِي الْأَكْلِ، دَلِيلُنَا عَلَى الْجَمِيعِ الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت