فهرس الكتاب
ج / 6 ص -250- مِنْ الْأَصْحَابِ الْجَدِيدُ: بُطْلَانُ صَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّوْمِ كَالْحَيْضِ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: هُوَ كَالْإِغْمَاءِ فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى بَدَلَ الْقَوْلَيْنِ وَجْهَيْنِ كَصَاحِبِ الْإِبَانَةِ وَآخَرِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُمَا طَرِيقَيْنِ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ بِبُطْلَانِ الصَّوْمِ بِالْجُنُونِ فِي لَحْظَةٍ كَالْحَيْضِ. وَلَوْ جُنَّ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ.
السادسة: لَوْ حَاضَتْ فِي بَعْضِ النَّهَارِ أَوْ ارْتَدَّ، بَطَلَ صَوْمُهُمَا بِلَا خِلَافٍ، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَفِسَتْ بَطَلَ صَوْمُهَا بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا أَصْلًا، فَفِي بُطْلَانِ صَوْمِهَا خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ وَحْدَهُ (إنْ قُلْنَا) لَا غُسْلَ، لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهَا وَإِلَّا بَطَلَ عَلَى أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَلَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ دَلِيلًا، وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ.
السابعة: حَيْثُ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ صَوْمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إمَّا لِوُجُودِ الْإِغْمَاءِ فِي كُلِّ النَّهَارِ أَوْ بَعْضِهِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ نِيَّتِهِ بِاللَّيْلِ، يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ رَمَضَانَ، هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِابْنِ سُرَيْجٍ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ، كَمَا لَا قَضَاءَ عَلَى الْمَجْنُونِ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ.
فرع: لَوْ نَوَى الصَّوْمَ فِي اللَّيْلِ ثُمَّ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عَقْلُهُ نَهَارًا بِسَبَبِهِ، قَالَ الْبَغَوِيّ: إنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ صَوْمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَهَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أصحهما: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ لَيْلًا وَبَقِيَ سُكْرُهُ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ. وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي رَمَضَانَ، وَإِنْ صَحَا فِي بَعْضِهِ فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَنْزِلَ الْمَاءَ وَيَنْغَطِسَ فِيهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ:"حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي يَوْمٍ صَائِفٍ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ وَهُوَ صَائِمٌ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتَحِلَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ"أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِلُ وَهُوَ صَائِمٌ"وَلِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَ بِمَنْفَذٍ، فَلَمْ يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِمَا يَصِلُ إلَيْهَا".
الشرح: أَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِمَا، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى"الصحيحين"وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَإِسْنَادُ مَالِكٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَلَفْظُ رِوَايَتِهِمْ"مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ الْعَطَشِ"وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ"الْحَرُّ"وَلَفْظُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ:"لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ الْعَطَشِ أَوْ مِنْ الْحَرِّ"هَذَا لَفْظُهُ. وَكَذَا لَفْظُ الْبَاقِينَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الَّذِي حَدَّثَ أَبَا بَكْرٍ صَحَابِيٌّ، وَلَوْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَذَلِكَ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَاهُ، فَإِنَّ الَّذِي رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُسْلِمٌ صَحَابِيٌّ. ثُمَّ إنَّ هَذَا الصَّحَابِيَّ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الِاسْمِ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ. وَلِهَذَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَسَائِرُ الْأَئِمَّةِ.