فهرس الكتاب
ج / 6 ص -251- وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَنَسٍ فِي الِاكْتِحَالِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ إلَّا رَجُلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الَّذِي ضَعَّفَهُ سَبَبَ تَضْعِيفِهِ، مَعَ أَنَّ الْجَرْحَ لَا يُقْبَلُ إلَّا مُفَسَّرًا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَ بِمَنْفَذٍ. هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ"لَيْسَ"وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ غَرِيبَةٌ وَالْمَشْهُورُ الْفَصِيحُ لَيْسَتْ بِإِثْبَاتِ التَّاءِ. وَأَمَّا الْمَنْفَذُ فَبِفَتْحِ الْفَاءِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: يَجُوزُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَنْزِلَ إلَى الْمَاءِ وَيَنْغَطِسَ فِيهِ وَيَصُبَّهُ عَلَى رَأْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا، وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا فِي"الصحيحين"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ يَغْتَسِلُ"
الثانية: يَجُوزُ لِلصَّائِمِ الِاكْتِحَالُ بِجَمِيعِ الْأَكْحَالِ وَلَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ بِجَوْفٍ وَلَا مَنْفَذَ مِنْهَا إلَى الْحَلْقِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُكْرَهُ الِاكْتِحَالُ عِنْدَنَا، قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ: سَوَاءٌ تَنَخَّمَهُ أَمْ لَا.
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الِاكْتِحَالِ
ذَكَرْنَا أَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَلَا يُكْرَهُ وَلَا يُفْطِرُ بِهِ، سَوَاءٌ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَمْ لَا. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى الصَّحَابِيَّيْنِ رضي الله عنهم وَبِهِ قَالَ دَاوُد. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمْ قَالُوا: يَبْطُلُ بِهِ صَوْمُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَجُوزُ بِالْإِثْمِدِ وَيُكْرَهُ بِالصَّبْرِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ: يُكْرَهُ. قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يُكْرَهُ وَإِنْ وَصَلَ إلَى الْحَلْقِ أَفْطَرَ. وَاحْتَجَّ لِلْمَانِعِينَ بِحَدِيثِ مَعْبَدِ بْنِ هَوْذَةَ الصَّحَابِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"أَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوِّحِ عِنْدَ النَّوْمِ. وَقَالَ: لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ: قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ نَذْكُرُهَا لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهَا. مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ:"اكْتَحَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ صَائِمٌ"رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ1 الزُّبَيْدِيِّ شَيْخِ بَقِيَّةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَسَعِيدُ الزُّبَيْدِيُّ هَذَا مِنْ مَجَاهِيلِ شُيُوخِ بَقِيَّةَ يَنْفَرِدُ بِمَا لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ قلت: وَقَدْ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ بَقِيَّةَ عَنْ الْمَجْهُولِينَ مَرْدُودَةٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْمَعْرُوفِينَ2 فَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ هَذَا بِلَا خِلَافٍ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:"جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اشْتَكَتْ عَيْنِي أَفَأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إسْنَادُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ذكره الذهبي في الميزان قال: عن هشام بن عروة وعنه بقية، لا يعرف وأحاديث ساقطة: قال ابن عدي: أحاديثه ليست محفوظة ا هـ (ط) .
2 اتفق المحدثون على أن أحاديث بقية ليست نقية فكن منها على تقية. المطيعي.