فهرس الكتاب
ج / 6 ص -252- بِالْقَوِيِّ. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ.
وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَيْنَاهُ مَمْلُوءَتَانِ مِنْ الْكُحْلِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ"فِي إسْنَادِهِ مَنْ اُخْتُلِفَ فِي تَوْثِيقِهِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ وَهُوَ صَائِمٌ"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ؛ لِأَنَّ رَاوِيهِ مُحَمَّدٌ هَذَا ضَعِيفٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَاحْتَجُّوا بِالْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ أَنَسٍ وَقَدْ بَيَّنَّا إسْنَادَهُ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَكْرَهُ الْكُحْلَ لِلصَّائِمِ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ أَنْ يَحْتَجِمَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ"قَالَ فِي"الْأُمِّ": وَلَوْ تُرِكَ لَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْحِجَامَةِ وَالْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ إبْقَاءً عَلَى الصَّحَابَةِ"."
الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ. . إلَى آخِرِهِ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلَفْظِ رِوَايَةِ الْمُهَذَّبِ وَقَوْلُهُ (إبْقَاءً) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْقَافِ وَبِالْمَدِّ، أَيْ رِفْقًا بِهِمْ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: تَجُوزُ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ وَلَا تُفْطِرُهُ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهَا. هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْجَامِعِينَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ: يُفْطِرُ بِالْحِجَامَةِ. مِمَّنْ قَالَهُ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ وَالْحَاكِمُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْفَصْدُ كَالْحِجَامَةِ.
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حِجَامَةِ الصَّائِمِ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهَا لَا الْحَاجِمُ وَلَا الْمَحْجُومُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ. قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: الْحِجَامَةُ تُفْطِرُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: يُفْطِرُ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَلْزَمُ الْمُحْتَجِمَ فِي رَمَضَانَ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَاحْتَجَّ لِهَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ"أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَإِسْنَادُ أَبِي دَاوُد عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ."