فهرس الكتاب
ج / 6 ص -266- إنْ عَدَدْنَا الْفِدْيَةَ بِتَعَدُّدِ رَمَضَانَ، فَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَلَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ مَعَ الْإِمْكَانِ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ، وَقُلْنَا: الْمَيِّتُ يُطْعَمُ عَنْهُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا أصحهما: عِنْدَ الْأَصْحَابِ يَجِبُ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ مِنْ تَرِكَتِهِ مُدٌّ عَنْ الصَّوْمِ وَمُدٌّ عَنْ التَّأْخِيرِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَصْحَابِنَا سِوَى ابْنِ سُرَيْجٍ. والثاني: يَجِبُ مُدٌّ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْفَوَاتَ يُضْمَنُ بِمُدٍّ وَاحِدٍ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا غَلَطٌ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ فَصَامَ حَصَلَ تَدَارُكُ أَصْلِ الصَّوْمِ وَيَجِبُ مُدٌّ لِلتَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ وَهُوَ التَّكْرَارُ فَكَانَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَمَاتَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ إلَّا خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَجَبَ فِي تَرِكَتِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ مُدًّا، عَشَرَةٌ لِأَجْلِ الصَّوْمِ وَخَمْسَةٌ لِلتَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا قَضَاءُ خَمْسَةٍ. وَأَمَّا إذَا أَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ وَقُلْنَا: يَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ فَأَخَّرَ الصَّوْمَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ وَمَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَإِنْ تَكَرَّرَتْ السُّنُونَ زَادَتْ الْأَمْدَادُ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَمَضَانَ الثَّانِي مَا يَتَأَتَّى فِيهِ قَضَاءُ جَمِيعِ الْفَائِتِ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ فِي الْحَالِ عَمَّا لَا يَسَعُهُ مِنْ الْوَقْتِ؟ أَمْ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ غَدًا فَتَلِفَ قَبْلَ الْغَدِ، هَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ؟ أَمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ؟.
فرع: إذَا أَرَادَ تَعْجِيلَ فِدْيَةِ التَّأْخِيرِ قَبْلَ مَجِيءِ رَمَضَانَ الثَّانِي لِيُؤَخِّرَ الْقَضَاءَ مَعَ الْإِمْكَانِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ، فِي تَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ عَنْ الْحِنْثِ الْمُحَرَّمِ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ نَظَائِرَ كَثِيرَةٍ لَهَا فِي آخِرِ بَابِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ.
فرع: إذَا أَخَّرَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ الْمُدَّ عَنْ السَّنَةِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ: فِي تَكَرُّرِ مُدٍّ آخَرَ لِتَأْخِيرِهِ وَجْهَانِ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ رَمَضَانَ يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ مُتَتَابِعًا فَإِنْ فَرَّقَهُ جَازَ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا.
الثالثة: إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ فَصَامَ وَنَوَى بِهِ الْيَوْمَ الثَّانِيَ، فَفِي إجْزَائِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ أصحهما: لَا يُجْزِئُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمُتَوَلِّي، ذَكَرَهُ فِي مَسَائِلِ النِّيَّةِ، وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ الِاحْتِمَالَيْنِ لَهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرَ النَّقْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَعَ نَظَائِرِهَا فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَسَائِلِ النِّيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا لَزِمَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ بَعْضُهُ، فَإِنْ كَانَ فَوَاتُهُ بِعُذْرٍ، كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَمَرَضٍ وَإِغْمَاءٍ وَسَفَرٍ وَمَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ أَوْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا أَوْ الْمُرْضِعُ وَالْحَامِلُ، فَقَضَاؤُهُ عَلَى التَّرَاخِي بِلَا خِلَافٍ مَا لَمْ يَبْلُغْ بِهِ رَمَضَانَ الْمُسْتَقْبَلَ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ، وَإِنْ فَاتَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ بِلَا عُذْرٍ (أَرْجَحُهُمَا) عَنْ أَكْثَرِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي أَيْضًا والثاني: وَهُوَ الصَّحِيحُ. صَحَّحَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَمُحَقِّقُو الْعِرَاقِيِّينَ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَكَذَا الْخِلَافُ فِي قَضَاءِ الْحَجَّةِ الْمُفْسَدَةِ الأصح عَلَى الْفَوْرِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا كُلِّهِ فِي بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَسَبَقَ هُنَاكَ حُكْمُ الْكَفَّارَةِ، هِيَ كَالصَّوْمِ سَوَاءٌ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا وَجَبَتْ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ وَغَيْرِهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.