فهرس الكتاب

الصفحة 2287 من 4102

ج / 6 ص -267- فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ

قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَوْمُ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ ثُمَّ يَقْضِي الْأَوَّلَ وَيَلْزَمُهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ فِدْيَةٌ، وَهِيَ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، إلَّا أَنَّ الثَّوْرَيَّ قَالَ: الْفِدْيَةُ مُدَّانِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَدَاوُد: يَقْضِيهِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، أَمَّا إذَا دَامَ سَفَرُهُ وَمَرَضُهُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ الْأَعْذَارِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ الثَّانِي فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَصُومُ رَمَضَانَ الْحَاضِرَ ثُمَّ يَقْضِي الْأَوَّلَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ طَاوُسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ وَدَاوُد. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: يَصُومُ رَمَضَانَ الْحَاضِرَ عَنْ الْحَاضِرِ، وَيُفْدِي عَنْ الْغَائِبِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.

فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي تَفْرِيقِ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَتَتَابُعِهِ

قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَتَابُعُهُ وَيَجُوزُ تَفْرِيقُهُ، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ رضي الله عنهم، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالنَّخَعِيِّ وَدَاوُد الظَّاهِرِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ التَّتَابُعُ، قَالَ دَاوُد: هُوَ وَاجِبٌ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: التَّتَابُعُ وَالتَّفْرِيقُ سَوَاءٌ، وَلَا فَضِيلَةَ فِي التَّتَابُعِ.

فرع: يَجُوزُ قَضَاءُ رَمَضَانَ عِنْدَنَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ غَيْرَ رَمَضَانَ التَّالِي وَأَيَّامِ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ ذُو الْحِجَّةِ وَغَيْرُهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَرِهَ قَضَاءَهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ. قَالَ: وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ؛ لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: من الآية184] .

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَصُمْ حَتَّى مَاتَ نَظَرْت فَإِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ اتَّصَلَ بِالْمَوْتِ - لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِهِ إلَى الْمَوْتِ فَسَقَطَ حُكْمُهُ كَالْحَجِّ، وَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ وَتَمَكَّنَ فَلَمْ يَصُمْهُ حَتَّى مَاتَ أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُصَامُ عَنْهُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ"وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ، فَجَازَ أَنْ يُقْضَى عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْحَجِّ، وَالْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ فَلْيُطْعَمْ1 عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ"وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَلَا تَدْخُلُهَا"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 بضم الياء وفتح العين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت