فهرس الكتاب
ج / 6 ص -288- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ صَوْمُ تَطَوُّعٍ وَزَوْجُهَا حَاضِرٌ إلَّا بِإِذْنِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَلَوْ صَامَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا صَحَّ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ حَرَامًا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِمَعْنًى آخَرَ لَا لِمَعْنًى يَعُودُ إلَى نَفْسِ الصَّوْمِ، فَهُوَ كَالصَّلَاةِ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ، فَإِذَا صَامَتْ بِلَا إذْنٍ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: الثَّوَابُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. هَذَا لَفْظُهُ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ فِي نَظَائِرِهَا الْجَزْمُ بِعَدَمِ الثَّوَابِ كَمَا سَبَقَ فِي الصَّلَاةِ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ.
وَأَمَّا صَوْمُهَا التَّطَوُّعَ فِي غِيبَةِ الزَّوْجِ عَنْ بَلَدِهَا فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ وَلِزَوَالِ مَعْنَى النَّهْيِ وأما: قَضَاؤُهَا رَمَضَانَ وَصَوْمُهَا الْكَفَّارَةَ وَالنَّذْرَ فَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْأَمَةُ الْمُسْتَبَاحَةُ لِسَيِّدِهَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَالزَّوْجَةِ وأما: الْأَمَةُ الَّتِي لَا تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا بِأَنْ كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ كَأُخْتِهِ أَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً أَوْ غَيْرَهُمَا وَالْعَبْدُ، فَإِنْ تَضَرَّرَا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ بِضَعْفٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ نَقَصَا، لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرَا وَلَمْ يَنْقُصَا جَازَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ إتْمَامُهُمَا فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا جَازَ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ:"دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: إذَنْ أَصُومُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيَّ يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إذَنْ أُفْطِرُ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ فَرَضْتُ الصَّوْمَ"."
الشرح: حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ، وَسَنَذْكُرُ لَفْظَهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، وَمَعْنَى فَرَضْتُ الصَّوْمَ نَوَيْتُهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: إذَا دَخَلَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ إتْمَامُهُمَا؛ لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: من الآية33] وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُمَا بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا بِلَا عُذْرٍ؛ لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْخُرُوجُ بِلَا عُذْرٍ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
وَأَمَّا الْخُرُوجُ مِنْهُ بِعُذْرٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ، وَيُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ سَوَاءٌ خَرَجَ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِهِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَالْأَعْذَارُ مَعْرُوفَةٌ منها: أَنْ يَشُقَّ عَلَى ضَيْفِهِ أَوْ مُضِيفِهِ صَوْمُهُ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ فَيَأْكُلَ مَعَهُ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"وَإِنَّ لِزُوَّارِكَ عَلَيْكَ حَقًّا"وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ"رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ فَلَا يَصُومَنَّ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِهِمْ"فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى ضَيْفِهِ أَوْ مُضِيفِهِ صَوْمُهُ التَّطَوُّعَ فَالْأَفْضَلُ بَقَاؤُهُ وَصَوْمُهُ، وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وأما: إذَا دَخَلَ فِي حَجِّ تَطَوُّعٍ أَوْ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ أَفْسَدَهُمَا لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدهمَا، وَيَجِبُ قَضَاؤُهُمَا بِلَا خِلَافٍ.