فهرس الكتاب
ج / 6 ص -292- مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ الْمَكْتُوبَةِ وَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ وَصِيَامِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَفِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ قُبَيْلَ هَذَا الْبَابِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم"فَإِنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ عَنْ رَمَضَانَ لَمْ يَصِحَّ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا"وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْعِبَادَةِ وَهُوَ فِي شَكٍّ مِنْ وَقْتِهَا فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي الظُّهْرِ وَهُوَ يَشُكُّ فِي وَقْتِهَا، وَإِنْ صَامَ فِيهِ عَنْ فَرْضٍ عَلَيْهِ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ، وَإِنْ صَامَ عَنْ تَطَوُّعٍ نَظَرْت - فَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ بِمَا قَبْلَهُ وَلَا وَافَقَ عَادَةً لَهُ - لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ قُرْبَةٌ - فَلَمْ يَصِحَّ بِقَصْدِ مَعْصِيَةٍ، وَإِنْ وَافَقَ عَادَةً جَازَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تُقَدِّمُوا1 الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ"وَإِنْ وَصَلَهُ بِمَا قَبْلَ النِّصْفِ جَازَ، وَإِنْ وَصَلَهُ بِمَا بَعْدَهُ لَمْ يَجُزْ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا صِيَامَ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ"."
الشرح: حَدِيثُ عَمَّارٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ:"لَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ"فَصَحِيحٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصِّيَامِ فِي وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ"لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ"فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ"إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا صِيَامَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بَلْ رَوَاهُ وَسَكَتَ عَلَيْهِ. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَا يُحَدِّثُ بِهِ - يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ - وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ هَذَا الْكَلَامَ، قَالَ أَحْمَدُ:"وَالْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ لَا يُنْكَرُ مِنْ حَدِيثِهِ إلَّا هَذَا الْحَدِيثَ"قَالَ النَّسَائِيُّ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرَ الْعَلَاءِ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ عَنْ رَمَضَانَ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ صَامَهُ عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَجْزَأَهُ وَفِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: يُكْرَهُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ والثاني: لَا يُكْرَهُ، وَبِهِ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَالْجُمْهُورِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: يُكْرَهُ وَيُجْزِئُهُ، قَالَ: وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَصُومَ فِيهِ تَطَوُّعًا لَهُ سَبَبٌ فَالْفَرْضُ أَوْلَى، كَالْوَقْتِ الَّذِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ قَضَائِهِ قَدْ ضَاقَ. وَأَمَّا إذَا صَامَهُ تَطَوُّعًا فَإِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ بِأَنْ كَانَ عَادَتُهُ صَوْمَ الدَّهْرِ أَوْ صَوْمَ يَوْمٍ وَفِطْرَ يَوْمٍ أَوْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بفتح التاء والقاف مع تشديد الدال وفتحها.