فهرس الكتاب
ج / 6 ص -299- ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَقْصُودَةٌ فَوَجَبَتْ مَعَ الشَّكَّ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَاتَيْنِ، وَاحْتَرَزْنَا بِبَدَنِيَّةٍ عَنْ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَبِمَقْصُودِهِ عَمَّنْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا؟ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ. قَالَ: وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"نَهَى عَنْ صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ، الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ، وَيَوْمِ النَّحْرِ، وَيَوْمِ الْفِطْرِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ". وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: حَمْلُهُ عَلَى مَنْ صَامَهُ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا أَوْ قَضَاءً والثاني: حَمْلُهُ عَلَى الشَّكِّ إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْمٌ، قَالَ: وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَبْلَهُ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ"وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مُحَوَّلٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْمٌ
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَمَامَةٌ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ".
وجَوَابُهُ: أَنَّ مَعْنَاهُ أَكْمِلُوا رَمَضَانَ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ"فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ"وَيَعُودُ الضَّمِيرُ فِي رُؤْيَتِهِ إلَى هِلَالِ شَوَّالٍ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ"فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا"وَمِثْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ"مَعْنَاهُ غُمَّ هِلَالُ شَوَّالٍ.
قَالَ: وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ السَّابِقِ قَالَ:"أَهْلَلْنَا هِلَالَ رَمَضَانَ فَشَكَكْنَا فِيهِ فَبَعَثْنَا إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَجُلًا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ"وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ"قُلْنَا: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْإِغْمَامُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ بِأَنْ يُغَمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ فَنَعُدُّ شَعْبَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَصُومُ ثَلَاثِينَ، فَيَحُولُ دُونَ مَطْلَعِ هِلَالِ شَوَّالٍ غَيْمُ لَيْلَةِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ، فَإِنَّا نَعُدُّ شَعْبَانَ مِنْ الْآنَ ثَلَاثِينَ وَنَعُدُّ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ وَنَصُومُ يَوْمًا، فَيَصِيرُ الصَّوْمُ وَاحِدًا وَثَلَاثِينَ، كَمَا إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ فَاتَتْهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صَلَوَاتُ الْيَوْمِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ:"هَذَا الْيَوْمُ يُكْمِلُ إلَى أَحَدٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"قَالَ:"جَوَابُهُ مَا سَبَقَ قَبْلَهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْإِغْمَامُ فِي طَرَفَيْ رَمَضَانَ. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: هَذَا التَّأْوِيلُ بَاصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ صُومُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا إلَّا أَنْ تَرَوْهُ قَبْلَ ذَلِكَ"طِلٌ لِوَجْهَيْنِ: أحدهما: أَنَّهُ قَالَ:"فَعُدُّوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ صُومُوا"وَالصَّوْمُ إنَّمَا هُوَ أَوَّلُ الشَّهْرِ. والثاني: أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ:"فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا"فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِغْمَامَ فِي أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ. وَاَلَّذِي فِي أَوَّلِهِ يَقْتَضِي الِاعْتِدَادَ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ. وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَقْتَضِي أَنَّ الِاعْتِدَادَ بِهِ فِي آخِرِ رَمَضَانَ.