فهرس الكتاب

الصفحة 2320 من 4102

ج / 6 ص -300- قُلْنَا: التَّأْوِيلُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّا نُكْمِلُ عِدَّةَ شَعْبَانَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ، وَنَصُومُ يَوْمًا آخَرَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ:"ثُمَّ صُومُوا"رَاجِعًا إلَى هَذَا الْيَوْمِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَهُ:"فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا"فَمَعْنَاهُ إذَا غُمَّ فِي أَوَّلِهِ وَغُمَّ فِي آخِرِهِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّا نَعُدُّ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ نَصُومُ يَوْمًا وَهُوَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ، وَنَصُومُ يَوْمًا آخَرَ فَقَدْ حَصَلَ الْعَدَدَانِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ وَيَتَخَلَّلُهُمَا صَوْمُ يَوْمٍ قَالَ: وَاحْتُجَّ بِأَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقًا أَوْ عَتَاقًا عَلَى رَمَضَانَ لَمْ يَقَعْ يَوْمَ الشَّكِّ، وَكَذَا لَا يَحِلُّ فِيهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إلَى رَمَضَانَ فَكَذَا الصَّوْمُ.

وَجَوَابُهُ: أَنَّا لَا نَعْرِفُ الرِّوَايَةَ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا نُسَلِّمَ ذَلِكَ وَنَقُولَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَيَحِلُّ الدَّيْنُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ نُسَلِّمَهُ وَهُوَ أَشْبَهُ، وَنُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَةِ بِوَجْهَيْنِ: أحدهما: أَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ الصَّوْمُ بِمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَالْحُلُولُ وَهُوَ شَهَادَةُ عَدْلٍ وَاحِدٍ. والثاني: أَنَّ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَحُلُولِ الدَّيْنِ إسْقَاطَ حَقٍّ ثَابِتٍ لِمُعَيَّنٍ بِالشَّكِّ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ إيجَابُ عِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ عَلَى الْبَدَنِ فَلَا يَمْتَنِعُ وُجُوبُهَا مَعَ الشَّكِّ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ، وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِلْأَصْلِ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ؟ لَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْبُضْعَ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَسْقُطَانِ بِالشَّكِّ، وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ تَسَحَّرَ الرَّجُلُ وَهُوَ شَاكٌّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وَلَوْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ وُقُوفُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْأَصْلِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَمْ يُسْقِطْ الْعِبَادَةَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْوُقُوفَ وُجِدَا.

وَأَمَّا: فِي مَسْأَلَتِنَا فَالْبِنَاءُ عَلَى الْأَصْلِ يُسْقِطُ الصَّوْمَ وَجَوَابٌ: آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فَلَوْ مَنَعْنَاهُمْ السَّحُورَ مَعَ الشَّكِّ لَحِقَتْهُمْ الْمَشَقَّةُ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي إلْزَامِهِمْ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ نَادِرٌ فَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ لَوْ مَنَعْنَاهُمْ الْوُقُوفَ مَعَ الشَّكِّ لَفَاتَهُمْ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ قَالَ: وَاحْتُجَّ بِأَنَّهُ شَكٌّ فَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ كَالصَّحْوِ وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يَبْطُلُ بِآخِرِ رَمَضَانَ إذَا حَالَ غَيْمٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ الصَّوْمُ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ صَحْوٌ وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ، فَالظَّاهِرُ عَدَمُهُ بِخِلَافِ الْغَيْمِ، فَوَجَبَ صَوْمُهُ احْتِيَاطًا. قَالَ: وَاحْتُجَّ بِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ صَامَهُ فِي الصَّحْوِ لَا يَجِبُ فِي الْغَيْمِ كَالثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ مَا سَبَقَ، وَلِأَنَّا تَحَقَّقْنَا فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ كَوْنَهُ مِنْ شَعْبَانَ بِخِلَافِ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ، وَلِهَذَا لَوْ حَالَ الْغَيْمُ فِي آخِرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ صُمْنَا، وَلَوْ حَالَ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ لَمْ نَصُمْ، قَالَ: وَاحْتُجَّ بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا يَجِبُ الدُّخُولُ فِيهَا حَتَّى يُعْلَمَ وَقْتُهَا كَالصَّلَاةِ وَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. أَمَّا الْأَصْلُ فَإِنَّهُ يَجِبُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الشَّكِّ، وَهُوَ إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وأما: الْفَرْعُ فَإِنَّ الْأَسِيرَ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الشُّهُورُ صَامَ بِالتَّحَرِّي وَجَوَابٌ: آخَرُ وَهُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ الْيَقِينِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ الْعِبَادَةِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، قَالَ: وَاحْتُجَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْجَزْمُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الشَّكِّ، وَلَا يَصِحُّ الصَّوْمُ إلَّا بِجَزْمِ النِّيَّةِ وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ لِلْحَاجَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت