فهرس الكتاب
ج / 6 ص -301- كَمَا فِي الْأَسِيرِ إذَا صَامَ بِالِاجْتِهَادِ وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ فَصَلَّاهُنَّ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ حَلَفَ أَنَّ الْهِلَالَ تَحْتَ الْغَيْمِ قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ لِلشَّكِّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ، وَلَا هُوَ تَحْتَ الْغَيْمِ كَمَا لَوْ طَارَ طَائِرٌ فَحَلَفَ أَنَّهُ غُرَابٌ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِغُرَابٍ أَوْ تَجَهَّلْنَاهُ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ وَطِئَ فِي هَذَا الْيَوْمِ قُلْنَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قُلْنَا: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: لَا يُصَلِّي، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُصَلِّي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَلِأَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَحْكُمُوا بِالْهِلَالِ تَحْتَ الْغَيْمِ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ؟ قُلْنَا: لَا فَائِدَةَ فِيهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ وَلِهَذَا يَثْبُتُ هِلَالُ رَمَضَانَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ قُلْنَا: لَا يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ حَتَّى يَدْخُلَهَا فِي يَوْمَيْنِ يَوْمِ الشَّكِّ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَجَهِلَهَا فَحَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ حَتَّى يَدْخُلَ بَعْدَ جَمِيعِ صَلَوَاتِ الْيَوْمِ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ وَاحِدَةٌ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ رحمه الله تعالى.
قَالَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ: وَقَفْتُ عَلَى كِتَابٍ لِبَعْضِ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْفِقْهِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ الْمُكَمِّلَ لِعِدَّةِ شَعْبَانَ يَجِبُ صَوْمُهُ عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَ الْخَطِيبُ: وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا ظُهُورُ اعْتِلَالِهِ يُغْنِي النَّاظِرَ فِيهِ عَنْ إبْطَالِهِ، إذْ الْحَقُّ لَا يَدْفَعُهُ بَاطِلُ الشُّبُهَاتِ، وَالسُّنَنُ الثَّابِتَةُ لَا يُسْقِطُهَا فَاسِدُ التَّأْوِيلَاتِ، وَمَعَ كَوْنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ فِيهَا الْتِبَاسٌ فَرُبَّمَا خَفِيَ حُكْمُهَا عَنْ بَعْضِ النَّاسِ، مَنْ قَصَرَ فَهْمُهُ، وَقَلَّ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ عِلْمُهُ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يَنْصَحُوا لَهُ فِيمَا اسْتَحْفَظَهُمْ، وَيَبْذُلُوا الْجَهْدَ فِيمَا قَلَّدَهُمْ، وَيَنْهَجُوا لِلْحَقِّ سُبُلَ نَجَاتِهِمْ، وَيَكْشِفُوا لِلْعَوَامِّ عَنْ شُبُهَاتِهِمْ، لَا سِيَّمَا فِيمَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ، وَيَبِينُ فِي الدِّينِ ضَرَرُهُ، وَمِنْ أَعْظَمِ الضَّرَرِ إثْبَاتُ قَوْلٍ يُخَالِفُ مَذْهَبَ السَّلَفِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فِي حُكْمِ الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الدِّينِ، وَأَنَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَذْكُرُ مِنْ السُّنَنِ الْمَأْثُورَةِ، وَأُورِدُ فِي ذَلِكَ مِنْ صَحِيحِ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ، عَنْ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَحَابَتِهِ الْأَخْيَارِ الْمَرْضِيِّينَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ خَالِفِيهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ، مَا يُوَضِّحُ مَنَارَ الْحَقِّ وَدَلِيلَهُ، وَيَرُدُّ مَنْ تَنَكَّبَ سَبِيلَهُ، وَيُبْطِلُ شُبْهَةَ قَوْلِ الْمُخَالِفِ وَتَأْوِيلَهُ.
ثُمَّ رَوَى الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقَ فِي الصَّحِيحَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"لَا تَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمًا يَصُومُهُ رَجُلٌ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ"ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقَ فِي"الصحيحين"عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"أَنَّهُ نَهَى عَنْ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ وَيَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ". ثُمَّ ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ السَّابِقَةَ"لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ"وَحَدِيثَ حُذَيْفَةَ الصَّحِيحَ السَّابِقَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ"وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"قَالَ إنَّ اللَّهَ أَمَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ"وَحَدِيثَ"أَحْصُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ"وَسَبَقَ بَيَانُهُ.