ج / 6 ص -304- بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"تَمَارَى النَّاسُ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْيَوْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَدًا فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ أَنَّهُ رَآهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: صُومُوا، ثُمَّ قَالَ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صُومُوا، وَلَا تَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا".
قَالَ الْخَطِيبُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهِ الْمُخَالِفُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَيَانِ الشَّافِي بِاللَّفْظِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَاقَ السَّبَبَ الَّذِي خَرَجَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَالَ الْخَطِيبُ: وَالْمُرَادُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إنَّمَا يَقَعُ إذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ غَيْمٌ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَا ادَّعَاهُ الْمُخَالِفُ لَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى الرُّؤْيَةِ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا فِيهِ كِفَايَةٌ عَمَّا سِوَاهُ فَذَكَرَ بِإِسْنَادٍ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ:"أَصْبَحْنَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ صِيَامًا وَكَانَ الشَّهْرُ قَدْ أُغْمِيَ عَلَيْنَا. فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَصَبْنَاهُ مُفْطِرًا فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، صُمْنَا الْيَوْمَ، فَقَالَ: أَفْطِرُوا إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَصُومُ هَذَا الْيَوْمَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، لَأَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَمَارِيًا فِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ لَيْسَ مِنْهُ"يَعْنِي لَيْسَ مِنْ رَمَضَانَ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِنْبَاطِ. وَقَوْلُهُ: إنَّ مَعْنَى"اُقْدُرُوا لَهُ"ضَيِّقُوا شَعْبَانَ لِصَوْمِ رَمَضَانَ فَهُوَ خَطَأٌ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ اُقْدُرُوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صُومُوا فِي الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ، وَقَدَرْتُ الشَّيْءَ وَقَدَّرْتُهُ - بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِهَا - بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَمِنْهُ قوله تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات:23]
ثُمَّ رَوَى الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْفَرَّاءِ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ قَالَ فِي قوله تعالى"فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ"ذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُمَا شَدَّدَا وَخَفَّفَهَا الْأَعْمَشُ وَعَاصِمٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَقُولُ: قَدَرَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ، وَقَدَّرَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ وَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَقَدَّرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ. بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ. ثُمَّ رَوَى الْخَطِيبُ عَنْ ابْنِ قُتَيْبَةَ التَّشْدِيدَ وَالتَّخْفِيفَ، ثُمَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَكَانَ أَوْحَدَ وَقْتِهِ فِي التَّفْسِيرِ. ثُمَّ الْفَرَّاءِ ثُمَّ ثَعْلَبٍ: إنَّهُمْ قَالُوا فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى"فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ"مَعْنَاهُ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ النُّحَاةِ. فَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَا لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ غَيْرُهُ فِي وُضُوحِ الْحُجَّةِ وَإِسْقَاطِ الشُّبْهَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ"أَيْ فَعُدُّوا لَهُ ثَلَاثِينَ، وَهُوَ بِمَعْنَى عُدُّوا، وَكُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ"قَالَ الْخَطِيبُ: قَالَ الْمُخَالِفُ: وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"فَاقْدُرُوا لَهُ"مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيرِ شَعْبَانَ بِثَلَاثِينَ، إذْ لَيْسَ تَقْدِيرُهُ بِثَلَاثِينَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِ بِتِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدَدَيْنِ يَكُونُ قَدْرًا لِلشَّهْرِ"لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ نَزَلَ مِنْ الْغُرْفَةِ وَقَدْ آلَى شَهْرًا فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ: إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ"وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ"مَا صُمْنَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ".
قَالَ الْخَطِيبُ: مَا أَعْظَمَ غَفْلَةَ هَذَا الرَّجُلِ، وَمَنْ الَّذِي نَازَعَهُ فِي أَنَّ الشَّهْرَ تَارَةً يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَتَارَةً يَكُونُ ثَلَاثِينَ، وَأَيُّ حَجَّةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ التَّقْدِيرُ بِثَلَاثِينَ أَوْلَى مِنْ التَّقْدِيرِ