فهرس الكتاب

الصفحة 2326 من 4102

ج / 6 ص -306- قَالَ الْخَطِيبُ: مَنْ خَلَتْ يَدَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ وَعَدَلَ عَنْ نَهْجِ السَّبِيلِ لَجَأَ إلَى مِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ وَمَعَ كَوْنِهِ إحْدَى الْعَظَائِمِ وَالْكُبَرِ1، وَأَعْجَبَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّظَرِ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يُسْنِدْهُ إلَى أَصْلٍ يَرُدُّهُ إلَيْهِ، وَلَا أَوْرَدَ أَمْرًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَازَ تَخْصِيصُ الْحَدِيثِ الْعَامِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لَبَطَلَتْ الْأَخْبَارُ، وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمٌ بِظَاهِرٍ، وَتَعَلَّقَ كُلُّ مُبْطِلٍ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَلَئِنْ سَاغَ لِلْمُخَالِفِ هَذَا التَّأْوِيلُ الْبَاطِلُ لِيَسُوغَنَّ لِغُلَاةِ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ يَسْبِقُونَ النَّاسَ فِي الْفِطْرِ وَالصَّوْمِ أَنْ يَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم:"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ"أَنَّ الْمُرَادَ تَقَدُّمُ الصِّيَامِ لِلرُّؤْيَةِ وَتَقَدُّمُ الْفِطْرِ لِلرُّؤْيَةِ.

قَالَ الْخَطِيبُ: وَمُخَالِفُنَا يَعْلَمُ فَسَادَ هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي قَالَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَمِعْتَ هَذَا التَّأْوِيلَ عَنْ أَحَدٍ؟ فَإِنْ زَعَمَهُ فَلْيَأْتِ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ يَتَضَمَّنُهُ، وَأَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ كَانَ إذَا غُمَّ عَلَيْهِ هِلَالُ شَوَّالٍ اسْتَأْنَفَ عَدَدَ شَعْبَانَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فِي خَبَرٍ وَلَا أَثَرٍ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَجِدَهُ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَا تَأَوَّلَهُ خِلَافُ الصَّوَابِ، فَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، فَإِنْ قَالَ: اسْتَخْرَجْتُهُ بِنَظَرِي، قُلْنَا: الِاسْتِخْرَاجُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ أَصْلٍ وَلَا سَبِيلَ لَكَ إلَيْهِ.

قَالَ الْخَطِيبُ: وَزَعَمَ الْمُخَالِفُ أَنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِهِ، وَهَذِهِ دَعْوَى مِنْهُ لَيْسَ عَلَيْهَا بُرْهَانٌ. وَلَا يَعْجَزُ كُلُّ مَنْ غَلَبَ هَوَاهُ عَلَى شَيْءٍ أَنْ يَدَّعِيَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَأَنَا أَذْكُرُ هُنَا مَا ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْخَالِفِينَ، فَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَرَوَاهَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ2 بْنِ عُكَيْمٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ كُلَّمَا أَقْبَلَ رَمَضَانُ وَيَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: أَلَا وَلَا يَتَقَدَّمَنَّ الشَّهْرَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، يَقُولُهَا ثَلَاثًا، وَفِي الرِّوَايَةِ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ الْمُجَنَّدَةِ"صُومُوا لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صُومُوا وَأَفْطِرُوا، وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ عَلَى رَمَضَانَ، فَقُلْتُ لَهُ مَنْ ذَكَرَهُ؟ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قُلْتُ لَهُ: مَنْ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَرَوْحٌ. قَالَ الْخَطِيبُ: فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ عُثْمَانُ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ، فَالْغَيْمُ أَوْلَى أَنْ لَا يَعْتَمِدَهُ."

وَعَنْ مُجَالَدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ إذَا حَضَرَ رَمَضَانُ وَيَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ:"لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ. إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ"وَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَعَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ"أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنْ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ"قُلْتُ: مُجَالِدٌ ضَعِيفٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْخَطِيبُ: وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِخَبَرٍ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ:"أَصُومُ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ"قَالَ الْخَطِيبُ: وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 بضم الكاف وفتح الباء.

2 عبد الله بن عكيم بضم أوله وفتح الكاف أبو معبد الكوفي مخضرم عن أبي بكر وعمر وعنه ابن أبي ليلى والقاسم بن مخيمرة مات في إمارة الحجاج (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت