ج / 6 ص -313- قَوْلِهِ: قَالَ صلى الله عليه وسلم كَذَا. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ، ثُمَّ فِي مَوَاضِعَ. وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ هِيَ الثَّلَاثَةُ الَّتِي بَعْدَ النَّحْرِ وَيُقَالُ لَهَا: أَيَّامُ مِنَى؛ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يُقِيمُونَ فِيهَا بِمِنَى، وَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ يُقَالُ لَهُ: يَوْمُ الْقَرِّ - بِفَتْحِ الْقَافِ - لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنَى، وَالثَّانِي يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ النَّفْرُ فِيهِ لِمَنْ تَعَجَّلَ، وَالثَّالِثُ يَوْمُ النَّفْرِ الثَّانِي. وَسُمِّيَتْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يُشَرِّقُونَ فِيهَا لُحُومَ الْأَضَاحِيّ وَالْهَدَايَا - أَيْ يَنْشُرُونَهَا وَيُقَدِّدُونَهَا - وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ هِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَفِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أحدهما: وَهُوَ الْجَدِيدُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا لَا لِمُتَمَتِّعٍ وَلَا غَيْرِهِ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. والثاني: وَهُوَ الْقَدِيمُ يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ الْعَادِمِ الْهَدْيَ صَوْمُهَا عَنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْحَجِّ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَصُومَهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَذَكَرَهُمَا جَمَاعَاتٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَآخَرُونَ مِنْهُمْ أصحهما: عِنْدَ جَمِيعِ الْأَصْحَابِ لَا يَجُوزُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ؛ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِي مَنْعِ صَوْمِهَا، وَإِنَّمَا رُخِّصَ لِلْمُتَمَتِّعِ والثاني: يَجُوزُ.
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ: هَذَا الْقَائِلُ بِالْجَوَازِ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا الَّذِينَ حَكَوْا هَذَا الْوَجْهَ:"إنَّمَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ صَوْمٌ لَهُ سَبَبٌ مِنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ لَهُ سَبَبٌ"فَأَمَّا تَطَوُّعٌ لَا سَبَبَ لَهُ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ. كَذَا نَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ. وَأَكْثَرُ الْقَائِلِينَ قَالُوا: هُوَ نَظِيرُ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِيهَا مَا لَهَا سَبَبٌ دُونَ مَا لَا سَبَبَ لَهَا.
قَالَ السَّرَخْسِيُّ: مَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ إبَاحَتَهَا لِلْمُتَمَتِّعِ لِلْحَاجَةِ، أَوْ لِكَوْنِهَا سَبَبًا. وَفِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا مَنْ عَلَّلَ بِالْحَاجَةِ، خَصَّهُ بِالْمُتَمَتِّعِ فَلَمْ يُجَوِّزْهَا لِغَيْرِهِ وَمَنْ عَلَّلَ بِالسَّبَبِ جَوَّزَ صَوْمَهَا عَنْ كُلِّ صَوْمٍ لَهُ سَبَبٌ دُونَ مَا لَا سَبَبَ لَهُ، قَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ نَذَرَ صَوْمَهَا بِعَيْنِهَا فَهُوَ كَنَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَجْهَ الْقَائِلَ بِجَوَازِ الصَّوْمِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ مُخْتَصٌّ بِصَوْمٍ لَهُ سَبَبٌ، وَلَا يَصِحُّ فِيهَا مَا لَا سَبَبَ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي التَّفْرِيعِ عَلَى الْقَدِيمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَقْبَلُ هَذِهِ غَيْرَ صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ لِضَرُورَةٍ تَخْتَصُّ بِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ. إنَّهَا كَيَوْمِ الشَّكِّ، ثُمَّ ذَكَرَ مُتَّصِلًا بِهِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ أَنَّهُ إنْ صَامَهُ بِلَا سَبَبٍ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ هُوَ الْقَوْلُ الْجَدِيدُ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ فِيهَا صَوْمٌ أَصْلًا، لَا لِلتَّمَتُّعِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَالْأَرْجَحُ فِي الدَّلِيلِ صِحَّتُهَا لِلتَّمَتُّعِ وَجَوَازُهَا لَهُ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي التَّرْخِيصِ لَهُ صَحِيحٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ فَلَا عُدُولَ عَنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الشَّامِلِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ: إنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، فَبَاطِلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ جِهَةٍ ضَعِيفَةٍ وَضَعَّفَهُ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَّصِلِ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ كَلَامَ صَاحِبِ الشَّامِلِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ.