فهرس الكتاب

الصفحة 2373 من 4102

ج / 6 ص -352- الْإِجَابَةُ حَيْثُ تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ الْمُتَطَوَّعِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ نَذْرًا غَيْرَ مُتَتَابِعٍ، فَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُتَعَيِّنَةً لَزِمَهُ الْإِجَابَةُ سَوَاءٌ دُعِيَ لِأَدَائِهَا أَوْ لِحَمْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْبِنَاءُ إذَا عَادَ إلَى الْمَسْجِدِ، وَفِي امْتِنَاعِهِ مِنْ الشَّهَادَةِ إضْرَارٌ بِالْمَشْهُودِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَعَيِّنَةً بِأَنْ كَانَ لِصَاحِبِ الشَّهَادَةِ شُهُودٌ آخَرُونَ، فَفِي لُزُومِ الْإِجَابَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ أحدهما: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِفَرْضٍ مُتَعَيِّنٍ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِالْمَشْهُودِ لَهُ ضَرُورَةٌ إلَيْهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ غَيْرِهِ. والثاني: يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ طَلَبِهَا فَرْضٌ كَمَا أَنَّ الِاعْتِكَافَ فَرْضٌ وَلَكِنَّ الشَّهَادَةَ آكَدُ؛ لِأَنَّهَا حَقُّ آدَمِيٍّ يُخَافُ فَوْتُهُ، وَالِاعْتِكَافُ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ الْأَوَّلِ: لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، يُعَارِضُهُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْبِنَاءُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: إذَا دُعِيَ لِتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ قَالَ الْمُتَوَلِّي: إنْ كَانَ اعْتِكَافُهُ تَطَوُّعًا، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِالتَّحَمُّلِ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ، وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّحَمُّلُ لَزِمَهُ الْخُرُوجُ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ اعْتِكَافُهُ وَاجِبًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَتَابِعًا أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِفَرْضٍ فَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُهُ، وَهَلْ يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ؟ يُنْظَرُ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ - جَازَ الْخُرُوجُ وَلِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ بِخُرُوجِهِ عِبَادَتَهُ فَيَخْرُجُ، فَإِذَا عَادَ بَنَى وَإِنْ كَانَ شَرَطَ التَّتَابُعَ لَمْ يَجُزْ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ مَا مَضَى مِنْ عِبَادَتِهِ، وَإِبْطَالُ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ لَا يَجُوزُ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: إذَا دُعِيَ لِتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ وَهُنَاكَ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ خَرَجَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّارِمِيُّ غَيْرَ هَذَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فرع: إذَا شَرَعَتْ الْمَرْأَةُ فِي الِاعْتِكَافِ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ وَفَاةٍ أَوْ فَرْقٍ فَخَرَجَتْ لِقَضَائِهَا، هَلْ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهَا؟ فِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: لَا يَبْطُلُ، حَتَّى إذَا نَذَرَتْ مُتَتَابِعًا أَكْمَلَتْ الْعِدَّةَ، ثُمَّ عَادَتْ الْمَسْجِدَ وَبَنَتْ عَلَى مَا مَضَى والثاني: فِي بُطْلَانِهِ قَوْلَانِ (الْمَنْصُوصُ) لَا يَبْطُلُ والثالث: خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ أَنَّهُ يَبْطُلُ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْعِدَّةِ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ الْمَسْأَلَةَ.

وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إذَا نَذَرَتْ اعْتِكَافًا مُتَتَابِعًا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ وَشَرَعَتْ فِيهِ فَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ، لَزِمَهَا الْعَوْدُ إلَى مَسْكَنِهَا لِلِاعْتِدَادِ، فَإِذَا خَرَجَتْ فَفِي بُطْلَانِ اعْتِكَافِهَا الطَّرِيقَانِ، قَالَ: فَأَمَّا إنْ شَرَعَتْ فِي الِاعْتِكَافِ بِإِذْنِهِ وَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فَهَلْ يَلْزَمُهَا الْعَوْدُ إلَى مَنْزِلِهَا لِلِاعْتِدَادِ؟ أَمْ لَهَا الْبَقَاءُ فِي الِاعْتِكَافِ حَتَّى يَنْقَضِيَ؟ فِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْعِدَدِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَإِنْ قُلْنَا: لَهَا الْبَقَاءُ، فَخَرَجَتْ بَطَلَ اعْتِكَافُهَا، لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهَا الْعَوْدُ إلَى الْمَنْزِلِ فَعَادَتْ، هَلْ تَبْنِي بَعْدَ الْعِدَّةِ أَمْ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهَا؟ فِيهِ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ، هَذَا كَلَامُ الْمُتَوَلِّي. وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ نَحْوَهُ. وَزَادَ أَنَّهَا إذَا لَزِمَهَا الْخُرُوجُ لِلْعِدَّةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَمَكَثَتْ فِي الِاعْتِكَافِ وَلَمْ تَخْرُجْ عَصَتْ وَأَجْزَأَهَا الِاعْتِكَافُ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَلَوْ قَالَ لَهَا الزَّوْجُ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ، فَقَالَتْ وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ: شِئْتُ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّهَا كَالشَّاهِدِ الْمُخْتَارِ والثاني: أَنَّهَا كَعِدَّةٍ وَجَبَتْ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهَا قلت: الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت