ج / 6 ص -354- الْخِلَافُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى الْقَاعِدَةِ1 فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِاخْتِيَارِهِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالسَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ فِي الْجُنُونِ سِنِينَ ثُمَّ أَفَاقَ بَنَى، فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: إذَا أَرَادَ الْمُعْتَكِفُ الْخُرُوجَ لِلْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَأَخُّرُهُ جَازَ الْخُرُوجُ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا، كَالْمَرَضِ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْخَفِيفِ وَغَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"قَالَ فِي الْأُمِّ: وَإِنْ سَكِرَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ بَنَى عَلَى اعْتِكَافِهِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ طُرُقٍ (فَمِنْهُمْ) مَنْ قَالَ: لَا يَبْطُلُ فِيهِمَا، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَخْرُجَا مِنْ الْمَسْجِدِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَهُ فِي السَّكْرَانِ عَلَى مَا إذَا سَكِرَ وَأُخْرِجَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِي الْمَسْجِدِ إذَا خَرَجَ لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ (وَمِنْهُمْ) مَنْ قَالَ: يَبْطُلُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ السَّكْرَانَ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَقَامِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمُرْتَدُّ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَهُ فِي الْمُرْتَدِّ عَلَى مَا إذَا ارْتَدَّ فِي اعْتِكَافٍ غَيْرِ مُتَتَابَعٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ وَيُتِمُّ مَا بَقِيَ (وَمِنْهُمْ) مَنْ حَمَلَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا. فَقَالَ فِي السَّكْرَانِ: يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَقَامِ فِي الْمَسْجِدِ. لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِيهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَالْمُرْتَدُّ مِنْ أَهْلِ الْمَقَامِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِيهِ".
الشرح: هَذَانِ النَّصَّانِ مَشْهُورَانِ كَمَا ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ. فِيهِمَا طُرُقٌ مُتَشَعِّبَةٌ جَمَعَهُمَا الرَّافِعِيُّ وَنَقَّحَهَا. فَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ سِتَّةُ طُرُقٍ: أصحها بُطْلَانُ اعْتِكَافِ السَّكْرَانِ وَالْمُرْتَدِّ جَمِيعًا بِطَرَآنِ السُّكْرِ وَالرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ نَصَّهُ فِي السَّكْرَانِ أَنَّهُ فِي اعْتِكَافٍ مُتَتَابِعٍ فَيَنْقَطِعُ وَنَصُّهُ فِي الْمُرْتَدِّ أَنَّهُ اعْتِكَافٌ غَيْرُ مُتَتَابِعٍ فَإِذَا أَسْلَمَ بَنَى؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ عِنْدَنَا لَا تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ إلَّا إذَا مَاتَ مُرْتَدًّا. والطريق الثاني: لَا يَبْطُلُ فِيهِمَا؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. والثالث: فِيهِمَا قَوْلَانِ. وَالرَّابِعُ: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ وَبُطْلَانُهُ فِي السَّكْرَانِ دُونَ الْمُرْتَدِّ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْفَرْقَ وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَالْخَامِسُ: يَبْطُلُ السُّكْرُ لِامْتِدَادِ زَمَانِهِ، وَكَذَا الرِّدَّةُ إنْ طَالَ زَمَنُهَا، وَإِنْ قَصَرَ بَنَى. وَالسَّادِسُ: يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ دُونَ السُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ كَالْيَوْمِ بِخِلَافِ الرِّدَّةِ لِأَنَّهَا تُنَافِي الْعِبَادَاتِ.
وَهَذَا الطَّرِيقُ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُمَا، وَمِمَّنْ صَحَّحَ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ وَهُوَ بُطْلَانُ الِاعْتِكَافِ فِيهِمَا الْقَفَّالُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَمَرَ الرَّبِيعَ أَنْ يَضْرِبَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُرْتَدِّ وَلَا تُقْرَأُ عَلَيْهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل ولعله: وهو الجاري على القاعدة أنه لم يخرج باختياره (ط) .