ج / 7 ص -106- يَذْكُرُوا حُكْمَ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ وَافَقَهُمْ الْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ فِي إثْبَاتِ الْفَسْخِ لِلصَّحَابَةِ لَكِنَّهُ زَادَ زِيَادَةً لَا نُخَالِفُهُمْ وَهِيَ اخْتِصَاصُ الْفَسْخِ بِهِمْ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ:"كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً"رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي ذَرٍّ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الأَئِمَّةِ: أَرَادَ بِالْمُتْعَةِ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ، وَهِيَ بَيَانُ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَدْ زَالَتْ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِأَحَدٍ. وَاحْتَجَّ أَبُو دَاوُد فِي"سُنَنِهِ"وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي ذَلِكَ بِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ حَجَّ ثُمَّ فَسَخَهَا بِعُمْرَةٍ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلاَّ لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِسْنَادُهُ هَذَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ مُدَلِّسٌ، وَقَدْ قَالَ عَنْ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُدَلِّسَ إذَا قَالَ: عَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَأَجَابَ: أَصْحَابُنَا عَنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لَسُرَاقَةَ:"بَلْ لِلأَبَدِ"أَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لا فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ دُخُولُ أَفْعَالِهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَهُوَ الْقِرَانُ، وَحَمَلَهُ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ انْدَرَجَتْ فِي الْحَجِّ، فَلا تَجِبُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ حَجَّةُ الإِسْلَامِ دُونَ الْعُمْرَةِ.
فرع: مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمَكِّيَّ لا يُكْرَهُ لَهُ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ، وَإِنْ تَمَتَّعَ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ لَهُ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ، وَلِمَنْ تَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] فَأَبَاحَ التَّمَتُّعَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ شُرِعَ لَهُ أَنْ لَا يَلُمَّ بِأَهْلِهِ، وَالْمَكِّيُّ مُلِمٌّ بِأَهْلِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، قَالُوا: وَلِأَنَّ الْغَرِيبَ إذَا تَمَتَّعَ لَزِمَهُ دَمٌ، وَقُلْتُمْ: إذَا تَمَتَّعَ مَكِّيٌّ فَلَا دَمَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نُسُكَهُ نَاقِصٌ عَنْ نُسُكِ الْغَرِيبِ فَكُرِهَ لَهُ فِعْلُهُ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ النُّسُكِ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَكِّيِّ، كَانَ قُرْبَةً وَطَاعَةً فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ كَالْإِفْرَادِ والجواب: عَنْ الْآيَةِ أَنَّ مَعْنَاهَا فَمَنْ تَمَتَّعَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ فَلَا دَمَ، فَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ فإن قيل: فَقَوْلُهُ تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ} [البقرة: 196] وَلَمْ يَقُلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، قُلْنَا: اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى كَمَا فِي قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] أَيْ فَعَلَيْهَا، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} [الرعد: 25] أَيْ عَلَيْهِمْ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ} [البقرة: 196] شَرْطٌ قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] جَزَاءُ الشَّرْطِ، وقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ} [البقرة: 196] بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ عَائِدٌ إلَى الْجَزَاءِ دُونَ الشَّرْطِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَلَهُ دِرْهَمٌ إلَّا بَنِي تَمِيمٍ، أَوْ قَالَ: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إلَى الْجَزَاءِ دُونَ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ دُخُولُ الدَّارِ كَذَا هَهُنَا.
وأما: قَوْلُهُمْ: الْمُتَمَتِّعُ شُرِعَ لَهُ أَنْ لَا يَلُمَّ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ وَلا تَأْثِيرَ لِلإِلْمَامِ