فهرس الكتاب

الصفحة 2523 من 4102

ج / 7 ص -134- وأما الْمُسْتَحَبُّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"المختصر": أُحِبُّ أَنْ يَعْتَمِرَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ مِنْهَا فَإِنْ أَخْطَأَهُ مِنْهَا فَمِنْ التَّنْعِيمِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْمَرَ عَائِشَةَ مِنْهَا وَهِيَ أَقْرَبُ الْحِلِّ إلَى الْبَيْتِ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذَلِكَ فَمِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهَا، وَأَفْضَلُهَا مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَبَعْدَهَا فِي الْفَضِيلَةِ التَّنْعِيمُ ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهَذَا فِي كُلِّ الطُّرُقِ وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ قَالَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّ الِاعْتِمَارَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ الْجِعْرَانَةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّنْعِيمِ، فَقَدَّمَ الْحُدَيْبِيَةَ عَلَى التَّنْعِيمِ.

وأما: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي"التنبيه:"الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنْ التَّنْعِيمِ فَغَلَطٌ وَمُنْكَرٌ لَا يُعَدُّ مِنْ الْمَذْهَبِ إلَّا أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَفْضَلَ أَدْنَى الْحِلِّ التَّنْعِيمَ، فَإِنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: خَرَجَ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ التَّنْعِيمِ، فَالِاعْتِذَارُ عَنْهُ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ أَحْسَنُ مِنْ تَخْطِئَتِهِ، وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ خَفِيَّةً أَوْ غَرِيبَةً لِيُعْذَرَ فِي الْغَلَطِ فِيهَا، وَاسْتَدَلَّ، الشَّافِعِيُّ لِلْإِحْرَامِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ التَّنْعِيمِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهَا وَأَرَادَ الْمَدْخَلَ لِعُمْرَتِهِ مِنْهَا، وَهَذَا صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ في"الصحيحين"وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَلِكَ اسْتَدَلَّ مُحَقِّقُو الْأَصْحَابِ. وَهَذَا الِاسْتِدْلَال هُوَ الصَّوَابُ.

وأما: قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي"الْبَسِيطِ"، وَقَوْلُ غَيْرِهِ: إنَّهُ صلى الله عليه وسلم هَمَّ بِالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ فَغَلَطٌ صَرِيحٌ، بَلْ ثَبَتَ في"صحيح البخاري"فِي كِتَابِ"لْمَغَازِي"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ"وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."

فإن قيل: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إنَّ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّنْعِيمِ، فَكَيْفَ أَعْمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ؟ فالجواب: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا أَعْمَرَهَا مِنْهُ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ الْخُرُوجِ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ، وَقَدْ كَانَ خُرُوجُهَا إلَى التَّنْعِيمِ عِنْدَ رَحِيلِ الْحَاجِّ وَانْصِرَافِهِمْ، وَوَاعَدَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى مَوْضِعٍ فِي الطَّرِيقِ، هَكَذَا ثَبَتَ في"الصحيحين"، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا بَيَانُ الْجَوَازِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يُحْرِمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَا يُقَدِّمُ الْإِحْرَامَ قَبْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ، فَيُحْرِمُ قَبْلَ الْيَوْمِ السَّادِسِ، مِنْ ذِي الْحِجَّةِ حَتَّى يُمْكِنَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ السَّابِقِ فِي أَحْكَامِ التَّمَتُّعِ فِي فَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ، وَذَكَرْنَا فِيهِ مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ وَدَلِيلَ الْمَسْأَلَةِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَمَنْ بَلَغَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ لَمْ يَجُزْ أَنَّهُ يُجَاوِزُهُ حَتَّى يُحْرِمَ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَإِنْ جَاوَزَهُ وَأَحْرَمَ دُونَهُ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ بِأَنْ يَخْشَى أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ، أَوْ الطَّرِيقُ مَخُوفٌ - لَمْ يَعُدْ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ لَمْ يَخْشَ شَيْئًا لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ لِأَنَّهُ نُسُكٌ وَاجِبٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ لَزِمَهُ الدَّمُ، وَإِنْ رَجَعَ نَظَرْتَ - فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِنُسُكٍ - سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ الْمَسَافَةَ بِالْإِحْرَامِ وَزَادَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَمَا وَقَفَ أَوْ بَعْدَمَا طَافَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ. لِأَنَّهُ عَادَ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ، كَمَا لَوْ دَفَعَ مِنْ الْمَوْقِفِ قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ عَادَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ".

الشرح: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إذَا انْتَهَى الْآفَاقِيُّ إلَى الْمِيقَاتِ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ أَوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت